البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٨ - و هذه ترجمة يزيد بن معاوية
على معاوية فسرّ بذلك معاوية، فقام زياد فصعد المنبر ثم افتخر بما يفعله بأرض العراق من تمهيد الممالك لمعاوية، فقام يزيد فقال: إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، و من القلم إلى المنابر، و من زياد بن عبيد إلى حرب بنى أمية. فقال له معاوية: اجلس فداك أبى و أمى.
و عن عطاء بن السائب قال: غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره فقال له الأحنف بن قيس:
يا أمير المؤمنين إنما هم أولادنا، ثمار قلوبنا و عماد ظهورنا، و نحن لهم سماء ظليلة، و أرض ذليلة، إن غضبوا فارضهم، و إن طلبوا فأعطهم، و لا تكن عليهم ثقلا فيملوا حياتك و يتمنوا موتك. فقال معاوية: للَّه درك يا أبا بحر، يا غلام ائت يزيد فأقره منى السلام و قل له: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف درهم، و مائة ثوب. فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين؟ فقال: الأحنف، فقال يزيد:
لا جرم لأقاسمنه، فبعث إلى الأحنف بخمسين ألفا و خمسين ثوبا.
و قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا ابن عائشة عن أبيه. قال: كان يزيد في حداثته صاحب شراب يأخذ مأخذ الاحداث، فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق، فقال: يا بنى ما أقدرك على أن تصل إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك و قدرك، و يشمت بك عدوك و يسيء بك صديقك، ثم قال: يا بنى إني منشدك أبياتا فتأدب بها و احفظها، فأنشده:-
انصب نهارا في طلاب العلا* * * و اصبر على هجر الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى بالدجى* * * و اكتحلت بالغمض عين الرقيب
فباشر الليل بما تشتهي* * * فإنما الليل نهار الأريب
كم فاسق تحسبه ناسكا* * * قد باشر الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أستاره* * * فبات في أمن و عيش خصيب
و لذة الأحمق مكشوفة* * * يسعى بها كل عدو مريب [١]
قلت: و هذا كما جاء في الحديث «من ابتلى بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر اللَّه عز و جل».
و روى المدائني أن عبد اللَّه بن عباس وفد إلى معاوية فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه فيعزيه في الحسن بن على، فلما دخل على ابن عباس رحّب به و أكرمه، و جلس عنده بين يديه، فأراد ابن عباس أن يرفع مجلسه فأبى و قال: إنما أجلس مجلس المعزى لا المهنى، ثم ذكر الحسن فقال:
رحم اللَّه أبا محمد أوسع الرحمة و أفسحها، و أعظم اللَّه أجرك و أحسن عزاك، و عوضك من مصابك ما هو خير لك ثوابا و خير عقبى. فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب
[١] بالهامش- و نسبة هذا الشعر إلى معاوية فيه نظر و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.