البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١ - فضل معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنه
بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. و قد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء و لكنى كتمت إسلامي من أبى إلى يوم الفتح، و قد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، و آلت إليه رياسة، قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، و كان رئيسا مطاعا ذا مال جزيل،
و لما أسلم قال: يا رسول اللَّه مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: «نعم، قال و معاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم»
ثم سأل أن يزوج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بابنته، و هي عزة بنت أبى سفيان و استعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، و بيّن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن ذلك لا يحل له. و قد تكلمنا على هذا الحديث في غير موضع، و أفردنا له مصنفا على حدة و للَّه الحمد و المنة. و المقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع غيره من كتاب الوحي رضى اللَّه عنهم. و لما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبى سفيان، و أقره على ذلك عثمان ابن عفان و زاده بلادا أخرى، و هو الّذي بنى القبة الخضراء بدمشق و سكنها أربعين سنة، قاله الحافظ ابن عساكر. و لما ولى على بن أبى طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه ممن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام و يولى عليها سهل بن حنيف فعزله فلم ينتظم عزله و التف عليه جماعة من أهل الشام و مانع عليا عنها و قد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلوما، و قد قال اللَّه تعالى: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً. و روى الطبراني عن ابن عباس أنه قال:
ما زلت موقنا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية. أوردنا سنده و متنه عند تفسير هذه الآية. فلما امتنع معاوية من البيعة لعلى حتى يسلمه القتلة، كان من صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الأمر إلى التحكيم، فكان من أمر عمرو بن العاص و أبى موسى ما أسلفناه من قوة جانب أهل الشام في الصعدة الظاهرة، و استفحل أمر معاوية، و لم يزل أمر على في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن على، و بايع أهل الشام لمعاوية بن أبى سفيان. ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، و ركب معاوية في أهل الشام. فلما تواجه الجيشان و تقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة و سلم الملك إلى معاوية بن أبى سفيان، و كان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة- أعنى سنة إحدى و أربعين- و دخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس- و استوثقت له الممالك شرقا و غربا، و بعدا و قربا، و سمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبى إدريس الخولانيّ. و كان على شرطته قيس بن حمزة، و كان كاتبه و صاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، و يقال إنه أول من اتخذ الحرس و أول من حزم الكتب و ختمها، أو كان أول الأحداث في دولته رضى اللَّه عنه.