البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٧ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
فيه بالقدوم عليه، حتى إذا كان بينه و بين القادسية ثلاث أميال، لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد؟ فقال: أريد هذا المصر، فقال له: أرجع فانى لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه، فهمّ الحسين أن يرجع، و كان معه إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: و اللَّه لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا ممن قتل أخانا أو نقتل. فقال: لا خير في الحياة بعدكم، فسار فلقيه أوائل خيل ابن زياد، فلما رأى ذلك عاد إلى كربلاء فأسند ظهره إلى قصيتا و حلفا ليقاتل من جهة واحدة. فنزل و ضرب أبنيته و كان أصحابه خمسة و أربعين فارسا و مائة راجل، و كان عمر بن سعد بن أبى وقاص قد ولاه بن زياد الري و عهد إليه عهده، فقال: اكفني هذا الرجل و اذهب إلى عملك، فقال: اعفنى. فأبى أن يعفيه، فقال: أنظرني الليلة، فأخره فنظر في أمره، فلما أصبح غدا عليه راضيا بما أمره به، فتوجه إليه عمر بن سعد فلما أتاه قال له الحسين: اختر واحدة من ثلاث، إما أن تدعوني فأنصرف من حيث جئت، و إما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، و إما أن تدعوني فألحق بالثغور. فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عبيد اللَّه ابن زياد لا و لا كرامة حتى يضع يده في يدي، فقال الحسين: لا و اللَّه لا يكون ذلك أبدا.
فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلهم و فيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته، و جاءه سهم فأصاب ابنا له في حجره فجعل يمسح الدم و يقول: اللَّهمّ احكم بيننا و بين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا، ثم أمر بحبرة فشقها ثم لبسها و خرج بسيفه فقاتل حتى قتل، قتله رجل من مذحج و حز رأسه فانطلق به إلى ابن زياد و قال في ذلك:-
أوقر ركابي فضة و ذهبا* * * فقد قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما و أبا* * * و خيرهم إذ ينسبون نسبا
قال فأوفده إلى يزيد بن معاوية فوضع رأسه بين يديه، و عنده أبو برزة الأسلمي، فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه و يقول:-
يفلّقن هاما من رجال أعزة* * * علينا و هم كانوا أعقّ و أظلما
فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فو اللَّه لربما رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) واضعا فيه على فيه يلثمه.
قال: و أرسل عمر بن سعد بحرمة و عياله إلى ابن زياد، و لم يكن بقي من آل الحسين إلا غلام، و كان مريضا مع النساء، فأمر به ابن زياد ليقتل فطرحت زينب نفسها عليه و قالت: و اللَّه لا يقتل حتى تقتلوني، فرّق لها و كف عنه، قال: فأرسلهم إلى يزيد فجمع يزيد من كان بحضرته من أهل الشام ثم دخلوا عليه فهنّوه بالفتح، فقام رجل منهم أحمر أزرق- و نظر إلى وصيفة من بناته- فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه، فقالت زينب: لا و لا كرامة لك و لا له، إلا أن تخرجا من دين اللَّه، قال:
فأعادها الأزرق فقال له يزيد: كف عن هذا. ثم أدخلهم على عياله، ثم حملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأة من بنى عبد المطلب ناشرة شعرها واضعة كمها على رأسها تتلقاهم و هي تبكى