البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
برب إني للحسين ناصر* * * و لابن سعد تارك و هاجر] (١)
قالوا: و مكث الحسين نهارا طويلا وحده لا يأتى أحد إليه إلا رجع عنه، لا يحب أن يلي قتله، حتى جاءه رجل من بنى بدّاء، يقال له مالك بن البشير، فضرب الحسين على رأسه بالسيف فأدمى رأسه، و كان على الحسين برنس فقطعه و جرح رأسه فامتلأ البرنس دما، فقال له الحسين: لا أكلت بها و لا شربت، و حشرك اللَّه مع الظالمين.
ثم ألقى الحسين ذلك البرنس و دعا بعمامة فلبسها.
[و قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبى راشد عن حميد. قال: خرج إلينا غلام كأن وجهه فلقة قمر في يده السيف و عليه قميص و إزار و نعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنها اليسرى، فقال لنا عمر بن سعد بن نفيل الأزدي: و اللَّه لأشدن عليه. فقلت له: سبحان اللَّه!! و ما تريد إلى ذلك؟ يكفيك. قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم. فقال: و اللَّه لأشدّنّ عليه، فشد عليه عمر بن سعد أمير الجيش، فضربه و صاح الغلام: يا عماه، قال: فشد الحسين على عمر بن سعد شدة ليث أعضب، فضرب عمر بالسيف فاتقاه بالساعد فأطّنها من لدن المرفق فصاح ثم تنحى عنه، و حملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمر من الحسين، فاستقبلت عمر بصدورها و حركت حوافرها، و جالت بفرسانها عليه، ثم انجلت الغبرة
فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام، و الغلام يفحص برجله و الحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، و من خصمهم يوم القيامة فيك جدك. ثم قال: عز و اللَّه على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا ينفعك، صوت و اللَّه كثر واتره و قل ناصره.
ثم احتمله فكأني انظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، و قد وضع الحسين صدره على صدره، ثم جاء به حتى ألقاه مع ابنه على الأكبر و مع من قتل من أهل بيته، فسألت عن الغلام فقيل لي هو القاسم بن الحسن بن على بن أبى طالب.
و قال هانئ بن ثبيت الحضرميّ: إني لواقف يوم مقتل الحسين عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس، إذ خرج غلام من آل الحسين و هو ممسك بعود من تلك الأبنية، و عليه إزار و قميص، و هو مذعور يلتفت يمينا و شمالا، فكأني انظر إلى درتين في أذنيه تذبذبان كلما التفت، إذ أقبل رجل يركض فرسه حتى إذا دنا من الغلام مال عن فرسه ثم أخذ الغلام فقطعه بالسيف. قال هشام السكونيّ: هانئ بن ثبيت هو الّذي قتل الغلام، خاف أن يعاب ذلك عليه فكنى عن نفسه] [١] قال: ثم إن الحسين أعيا فقعد على باب فسطاطه و أتى بصبي صغير من أولاده اسمه عبد اللَّه، فأجلسه في حجره، ثم جعل يقبله و يشمه و يودعه و يوصى أهله،
فرماه رجل من بنى أسد يقال له «ابن موقد النار» بسهم فذبح ذلك الغلام، فتلقى حسين دمه في يده و ألقاه نحو السماء و قال: رب
[١] سقط من المصرية.