البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
اللَّه و الثناء عليه: أيها الناس إن قبلتم منى و أنصفتمونى كنتم بذلك أسعد، و لم يكن لكم على سبيل، و إن لم تقبلوا منى فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ.
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.
فلما سمع ذلك أخواته و بناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء فقال عند ذلك: لا يبعد اللَّه ابن عباس.
- يعنى حين أشار عليه أن لا يخرج بالنساء معه و يدعهن بمكة إلى أن ينتظم الأمر- ثم بعث أخاه العباس فسكتهن، ثم شرع يذكر للناس فضله و عظمة نسبه و علو قدره و شرفه، و يقول: راجعوا أنفسكم و حاسبوها: هل يصلح لكم قتال مثلي، و أنا ابن بنت نبيكم، و ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري؟ و على أبى، و جعفر ذو الجناحين عمى، و حمزة سيد الشهداء عم أبى؟ و قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لأخى: «هذان سيدا شباب أهل الجنة».
فان صدقتموني بما أقول فهو الحق، فو اللَّه ما تعمدت كذبة منذ علمت أن اللَّه يمقت على الكذب، و إلا فاسألوا أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن ذلك، جابر بن عبد اللَّه، و أبا سعيد، و سهل بن سعد، و زيد بن أرقم، و أنس بن مالك، يخبرونكم بذلك، ويحكم! أما تتقون اللَّه؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ فقال عند ذلك شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد اللَّه على حرف: إن كنت أدرى ما يقول؟ فقال له حبيب بن مطهر [١]: و اللَّه يا شمر إنك لتعبد اللَّه على سبعين حرفا، و أما نحن فو اللَّه إنا لندرى ما يقول، و إنه قد طبع على قلمك. ثم قال: أيها الناس ذروني أرجع إلى مأمني من الأرض، فقالوا: و ما يمنعك أن تنزل على حكم بنى عمك؟، فقال: معاذ اللَّه إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ثم أناخ راحلته و أمر عقبة بن سمعان فعقلها [ثم قال: أخبرونى أ تطلبوني بقتيل لكم قتلته؟ أو مال لكم أكلته؟ أو بقصاصة من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه. قال: فنادى يا شبيث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا زيد بن الحارث، أ لم تكتبوا إليّ أنه قد أينعت الثمار و أخضر الجناب، فأقدم علينا فإنك إنما تقدم على جند مجندة؟ فقالوا له: لم نفعل.
فقال: سبحان اللَّه! و اللَّه لقد فعلتم، ثم قال: يا أيها الناس! إذ قد كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم، فقال له قيس بن الأشعث: ألا تنزل على حكم بنى عمك فإنهم لن يؤذوك، و لا ترى منهم إلا ما تحب؟ فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أ تريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم ابن عقيل؟ لا و اللَّه لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، و لا أقر لهم إقرار العبيد]. [٢]
قال: و أقبلوا يزحفون نحوه و قد تحيز إلى جيش الحسين من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارسا فيما قيل، منهم الحر بن يزيد أمير مقدمة جيش ابن زياد، فاعتذر إلى الحسين مما كان منهم،
[١] كذا بالأصلين و في الطبري: مظاهر.
[٢] سقط من المصرية