البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٧ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
بأنفسنا و أموالنا و أهلينا، و نقاتل معك حتى نرد موردك. فقبح اللَّه العيش بعدك.
و قال نحو ذلك مسلم بن عوسجة الأسدي، و كذلك قال سعيد بن عبد اللَّه الحنفي: و اللَّه لا نخليك حتى يعلم اللَّه أنا قد حفظنا غيبة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فيك، و اللَّه لو علمت أنى أقتل دونك ألف قتلة، و أن اللَّه يدفع بذلك القتل عنك و عن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك، لأحببت ذلك، و إنما هي قتلة واحدة.
و تكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا من وجه واحد، فقالوا: و اللَّه لا نفارقك، و أنفسنا الفداء لك، نقيك بنحورنا و جباهنا، و أيدينا و أبداننا، فإذا نحن قتلنا و فينا و قضينا ما علينا. و قال أخوه العباس: لا أرانا اللَّه يوم فقدك و لا حاجة لنا في الحياة بعدك. و تتابع أصحابه على ذلك] [١]
و قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب و أبو الضحاك عن على بن الحسين زين العابدين.
قال: إني لجالس تلك العشية التي قتل أبى في صبيحتها، و عمتي زينب تمرضني إذ اعتزل أبى في خبائه و معه أصحابه، و عنده حوى مولى أبى ذر الغفاريّ، و هو يعالج سيفه و يصلحه و أبى يقول:-
يا دهر أف لك من خليل* * * كم لك بالإشراق و الأصيل
من صاحب أو طالب قتيل* * * و الدهر لا يقنع بالبديل
و إنما الأمر إلى الجليل* * * و كل حي سالك السبيل
فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى حفظتها و فهمت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها، و لزمت السكوت، و علمت أن البلاء قد نزل، و أما عمتي فقامت حاسرة حتى انتهت إليه فقالت: وا ثكلاه!! ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم، ماتت أمى فاطمة و على أبى، و حسن أخى، يا خليفة الماضي، و ثمال الباقي فنظر إليها و قال: يا أخيّه، [لا يذهبن حلمك الشيطان، فقالت: بأبي أنت و أمى يا أبا عبد اللَّه، استقتلت؟ و لطمت وجهها و شقت جيبها و خرت مغشيا عليها، فقام إليها فصبّ على وجهها الماء و قال يا أخيه] [٢] اتّق اللَّه و اصبري و تعزى بعزاء اللَّه، و اعلمي أن أهل الأرض يموتون، و أن أهل السماء لا يبقون، و أن كل شيء هالك إلا وجه اللَّه الّذي خلق الخلق بقدرته، و يميتهم بقهره و عزته، و يعيدهم فيعبدونه وحده، و هو فرد وحده، و اعلمي أن أبى خير منى، و أخى خير منى، و لي و لهم و لكل مسلم برسول اللَّه أسوة حسنة، ثم حرّج عليها أن لا تفعل شيئا من هذا بعد مهلكه، ثم أخذ بيدها فردّها إلى عندي، ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يدنوا بيوتهم بعضها من بعض حتى تدخل الأطناب بعضها في بعض، و أن لا يجعلوا للعدو مخلصا إليهم إلا من جهة واحدة، و تكون البيوت عن أيمانهم و عن شمائلهم، و من ورائهم. و بات الحسين و أصحابه طول ليلهم يصلون و يستغفرون و يدعون و يتضرعون، و خيول حرس عدوهم تدور من ورائهم، عليها عزرة بن قيس
[١] سقط من المصرية
[٢] سقط من نسخة طوب قبو بالأستانة: