البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
فقال له عمر: لا و لا كرامة لك! أنا أتولى ذلك، و جعله على الرجالة و نهضوا إليهم عشية يوم الخميس التاسع من المحرم، فقام شمر بن ذي الجوشن فقال: أين بنو أختنا؟ فقام إليه العباس و عبد اللَّه، و جعفر و عثمان بنو على بن أبى طالب، فقال: أنتم آمنون. فقالوا: إن أمنتنا و ابن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و إلا فلا حاجة لنا بأمانك.
قال: ثم نادى عمر بن سعد في الجيش: يا خيل اللَّه اركبي و ابشرى، فركبوا و زحفوا إليهم بعد صلاة العصر من يومئذ، هذا و حسين جالس أمام خيمته محتبيا بسيفه، و نعس فخفق برأسه و سمعت أخته الضجة فدنت منه فأيقظته، فرجع برأسه كما هو، و قال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام فقال لي: «إنك تروح إلينا» فلطمت وجهها و قالت: يا ويلتنا. فقال:
ليس لك الويل يا أخته: اسكني رحمك الرحمن، و قال له أخوه العباس بن على: يا أخى جاءك القوم، فقال: اذهب إليهم فسلهم ما بدا لهم، فذهب إليهم في نحو من عشرين فارسا فقال: ما لكم؟ فقالوا جاء أمر الأمير إما أن تأتوا على حكمه و إما أن نقاتلكم. فقال: مكانكم حتى أذهب إلى أبى عبد اللَّه فأعلمه، فرجع و وقف أصحابه فجعلوا يتراجعون القول و يؤنب بعضهم بعضا، يقول أصحاب الحسين:
بئس القوم، أنتم تريدون قتل ذريّة نبيكم و خيار الناس في زمانهم؟ ثم رجع العباس بن على من عند الحسين إليهم فقال لهم: يقول لكم أبو عبد اللَّه: انصرفوا عشيتكم هذه حتى ينظر في أمره الليلة، فقال عمر بن سعد لشمر بن ذي الجوشن: ما تقول؟ فقال: أنت الأمير و الرأى رأيك، فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان اللَّه! و اللَّه لو سألكم ذلك رجل من الديلم لكان ينبغي إجابته.
و قال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة، و هكذا جرى الأمر، فان الحسين لما رجع العباس قال له: ارجع فارددهم هذه العشية لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة و نستغفره و ندعوه، فقد علم اللَّه منى أنى أحب الصلاة له، و تلاوة كتابه، و الاستغفار و الدعاء.
و أوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله، و خطب أصحابه في أول الليل فحمد اللَّه تعالى و أثنى عليه و صلى على رسوله بعبارة فصيحة بليغة، و قال لأصحابه: من أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنت له فان القوم إنما يريدونني. [فقال مالك بن النضر: على دين ولى عيال، فقال هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه حجلا، ليأخذ كل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم أذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم و مدائنكم، فان القوم إنما يريدونني، فلو قد أصابونى لهوا عن طلب غيري، فاذهبوا حتى يفرج اللَّه عز و جل. فقال له إخوته و أبناؤه و بنو أخيه: لا بقاء لنا بعدك، و لا أرانا اللَّه فيك ما نكره، فقال الحسين: يا بنى عقيل حسبكم بمسلم أخيكم، اذهبوا فقد أذنت لكم، قالوا: فما تقول الناس إنا تركنا شيخنا و سيدنا و بنى عمومتنا خير الأعمام، لم نرم معهم بسهم، و لم نطعن معهم برمح، و لم نضرب معهم بسيف، رغبة في الحياة الدنيا، لا و اللَّه لا نفعل، و لكن نفديك