البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٣ - قصة الحسين بن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنهما و سبب خروجه بأهله من مكة إلى العراق في طلب الامارة و كيفية مقتله رضى اللَّه عنه
الكوفة، فلما دخلها دخلها متلثما بعمامة سوداء، فجعل لا يمر بملإ من الناس إلا قال: سلام عليكم، فيقولون: و عليكم السلام مرحبا بابن رسول اللَّه- يظنون أنه الحسين و قد كانوا ينتظرون قدومه- و تكاثر الناس عليه، و دخلها في سبعة عشر راكبا، فقال لهم مسلم بن عمرو من جهة يزيد: تأخّروا، هذا الأمير عبيد اللَّه بن زياد، فلما علموا ذلك علتهم كآبة و حزن شديد، فتحقق عبيد اللَّه الخبر، و نزل قصر الإمارة من الكوفة، فلما استقر أمره أرسل مولى أبى رهم- و قيل كان مولى له يقال له معقل- و معه ثلاثة آلاف درهم في صورة قاصد من بلاد حمص، و أنه إنما جاء لهذه البيعة، فذهب ذلك المولى فلم يزل يتلطف و يستدل على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عقيل حتى دخلها، و هي دار هانئ بن عروة التي تحول إليها من الدار الأولى، فبايع و أدخلوه على مسلم بن عقيل فلزمهم أياما حتى اطلع على جلية أمرهم، فدفع المال إلى أبى ثمامة العامري بأمر مسلم بن عقيل- و كان هو الّذي يقبض ما يؤتى به من الأموال و يشترى السلاح- و كان من فرسان العرب، فرجع ذلك المولى و أعلم عبيد اللَّه بالدار و صاحبها، و قد تحول مسلم بن عقيل إلى دار هانئ بن حميد بن عروة المرادي، ثم إلى دار شريك بن الأعور و كان من الأمراء الأكابر، و بلغه أن عبيد اللَّه يريد عيادته، فبعث إلى هانئ يقول له: ابعث مسلم بن عقيل حتى يكون في داري ليقتل عبيد اللَّه إذا جاء يعودني، فبعثه إليه فقال له شريك: كن أنت في الخباء، فإذا جلس عبيد اللَّه فانى أطلب الماء و هي إشارتي إليك، فاخرج فأقتله، فلما جاء عبيد اللَّه جلس على فراش شريك و عنده هانئ بن عروة، و قام من بين يديه غلام يقال له مهران، فتحدث عنده ساعة ثم قال شريك: اسقوني، فتجبن مسلم عن قتله، و خرجت جارية بكوز من ماء فوجدت مسلما في الخباء فاستحيت و رجعت بالماء ثلاثا، ثم قال: اسقوني و لو كان فيه ذهاب نفسي أ تحمونني من الماء؟ ففهم مهران الغدر فغمز مولاه فنهض سريعا و خرج، فقال شريك:
أيها الأمير، إني أريد أن أوصى إليك، فقال: سأعود! فخرج به مولاه فأركبه و طرد به- أي ساق به- و جعل يقول له مولاه: إن القوم أرادوا قتلك فقال: ويحك إني بهم لرفيق. فما بالهم؟ و قال شريك لمسلم: ما منعك أن تخرج فقتله؟
قال: حديث بلغني عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال «الايمان ضد الفتك، لا يفتك مؤمن»
و كرهت أن أقتله في بيتك، فقال: أما لو قتلته لجلست في القصر لم يستعد منه أحد و ليكفينك أمر البصرة، و لو قتلته لقتلت ظالما فاجرا، و مات شريك بعد ثلاث.
و لما انتهى ابن زياد إلى باب القصر و هو متلثم ظنه النعمان بن بشير الحسين قد قدم، فأغلق باب القصر و قال: ما أنا بمسلم إليك أمانتى، فقال له عبيد اللَّه: افتح لا فتحته، ففتح و هو يظنه الحسين، فلما تحقق أنه عبيد اللَّه أسقط في يده، فدخل عبيد اللَّه إلى قصر الامارة و أمر مناديا فنادى: إن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فان