البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - قصة الحسين بن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنهما و سبب خروجه بأهله من مكة إلى العراق في طلب الامارة و كيفية مقتله رضى اللَّه عنه
أربع و خمسون سنة و ستة أشهر و نصف، رضى اللَّه عنه. و روى عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه حنكه و تفل في فيه و دعا له و سماه حسينا، و قد كان سماه أبوه قبل ذلك حربا، و قيل جعفرا، و قيل: إنما سماه يوم سابعه و عق عنه. و قال جماعة عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على رضى اللَّه عنه قال: الحسن أشبه برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما بين الصدر إلى الرأس، و الحسين أشبه به ما بين أسفل من ذلك، و قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي. قال: كان وجه الحسن يشبه وجه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان جسد الحسين يشبه جسد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و روى محمد بن سيرين و أخته حفصة، عن أنس. قال: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين فجعل يقول بقضيب في أنفه و يقول: ما رأيت مثل هذا حسنا، فقلت له: إنه كان من أشبههم برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال سفيان: قلت لعبيد اللَّه بن أبى زياد: رأيت الحسين؟ قال: نعم أسود الرأس و اللحية إلا شعرات هاهنا في مقدم لحيته، فلا أدرى أخضب و ترك ذلك المكان تشبها برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أو لم يكن شاب منه غير ذلك؟ و قال ابن جريج: سمعت عمر بن عطاء قال: رأيت الحسين بن على يصبغ بالوشمة، أما هو فكان ابن ستين سنة، و كان رأسه و لحيته شديدي السواد، فأما الحديث الّذي
روى من طريقين ضعيفين أن فاطمة سألت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في مرض الموت أن ينحل ولديها شيئا فقال:
«أما الحسن فله هيبتي و سؤددي، و أما الحسين فله جرأتى و جودي»
فليس بصحيح، و لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب المعتبرة، و قد أدرك الحسين من حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خمس سنين أو نحوها، و روى عنه أحاديث، و قال مسلم بن الحجاج له رؤية من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد روى صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال في الحسن بن على: إنه تابعي ثقة، و هذا غريب فلأن يقول في الحسين إنه تابعي بطريق الأولى.
و سنذكر ما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يكرمهما به، و ما كان يظهر من محبتهما و الحنو عليهما.
و المقصود أن الحسين عاصر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صحبه إلى أن توفى و هو عنه راض، و لكنه كان صغيراً.
ثم كان الصديق يكرمه و يعظمه، و كذلك عمر و عثمان، و صحب أباه و روى عنه، و كان معه في مغازيه كلها، في الجمل و صفين، و كان معظما موقرا، و لم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، فلما آلت الخلافة إلى أخيه و أراد أن يصالح شق ذلك عليه و لم يسدد رأى أخيه في ذلك، بل حثه على قتال أهل الشام، فقال له أخوه: و اللَّه لقد هممت أن أسجنك في بيت و أطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن ثم أخرجك. فلما رأى الحسين ذلك سكت و سلم، فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً، و يقول لهما: مرحبا و أهلا، و يعطيهما عطاء جزيلا، و قد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، و
قال: خذاها و أنا ابن هند، و اللَّه