البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
ثوبا من حواصل الطير، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين أميرا، و عشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، و مصيري منك، تبا للدنيا و لمحبيها. و قال محمد بن سعد: أنبأنا أبو عبيدة عن أبى يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير. قال: لما ثقل معاوية و تحدث الناس بموته قال لأهله: احشوا عيني إثمدا، و أوسعوا رأسي دهنا، ففعلوا و غرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له مجلس و قال: أسندوني، ثم قال: ائذنوا للناس فليسلموا على قياما و لا يجلس أحد، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا متدهنا فيقول متقول الناس إن أمير المؤمنين لما به و هو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية في ذلك:-
و تجلدي للشامتين أريهم* * * أنى لريب الدهر لا أتضعضع
و إذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كل تميمة لا تنفع
قال: و كان به النقابة- يعنى لوقة- فمات من يومه ذلك (رحمه اللَّه). و قال موسى بن عقبة: لما نزل بمعاوية الموت قال: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، و لم أل من هذا الأمر شيئا. و قال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر:-
إن تناقش يكن نقاشك يا رب* * * عذابا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز تجاوز العفو و اصفح* * * عن مسيء ذنوبه كالتراب
و قال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل أهله يقلبونه فقال لهم: أي شيخ تقلبون؟ إن نجاه اللَّه من عذاب النار غدا.
و قال محمد بن سيرين: جعل معاوية لما احتضر يضع خدا على الأرض ثم يقلب وجهه و يضع الخد الآخر و يبكى و يقول: اللَّهمّ إنك قلت في كتابك إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ اللَّهمّ فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. و قال العتبى عن أبيه: تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم و هو في السياق.
هو الموت لا منجا من الموت و الّذي* * * نحاذر بعد الموت أدهى و أفظع
ثم قال: اللَّهمّ أقل العثرة، و أعف عن الزلة، و تجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك. و رواه ابن دريد عن أبى حاتم عن أبى عبيدة عن أبى عمرو بن العلاء فذكر مثله، و زاد: ثم مات. و قال غيره: أغمى عليه ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا اللَّه فان اللَّه تعالى يقي من اتقاه، و لا يقي من لا يتقى، ثم مات (رحمه اللَّه). و قد روى أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل. قال: لما مات معاوية صعد الضحاك بن قيس المنبر فخطب الناس- و أكفان معاوية على يديه- فقال بعد حمد اللَّه و الثناء عليه: إن معاوية الّذي كان سور