البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤١ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
فقال له معاوية: أين دارك؟ قال: بالبصرة، قال: و كم اتساعها؟ قال: فرسخان في فرسخين، قال: لا تقل داري بالبصرة، و لكن قل: البصرة في داري. و ذكر أن رجلا دخل بابن معه فجلسا على سماط معاوية فجعل ولده يأكل أكلا ذريعا، فجعل معاوية يلاحظه، و جعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن، فلما خرجا لامه أبوه و قطعه عن الدخول، فقال له معاوية! أين ابنك التلقامة؟
قال: اشتكى. قال: قد علمت أن أكله سيورثه داء. قال: و نظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه و عليه عباءة فجعل يزدريه، فقال: يا أمير المؤمنين إنك لا تخاطب العباءة، إنما يخاطبك من بها. و قال معاوية: أفضل الناس من إذا أعطى شكر، و إذا ابتلى صبر، و إذا غضب كظم، و إذا قدر غفر، و إذا وعد أنجز، و إذا أساء استغفر. و كتب رجل من أهل المدينة إلى معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنه: إذا الرجال ولدت أولادها، و اضطربت من كبر أعضادها و جعلت أسقامها تعتادها، فهي زروع قددنا حصادها. فقال معاوية: نعى إليّ نفسي [١]] و قال ابن أبى الدنيا: حدثني هارون بن سفيان عن عبد اللَّه السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس! إن من زرع قد استحصد، و إني قد وليتكم و لن يليكم أحد بعدي خير منى، و إنما يليكم من هو شر منى، كما كان من وليكم قبلي خيرا منى، و يا يزيد إذا دنا أجلى فول غسلي رجلا لبيبا، فان اللبيب من اللَّه بمكان، فلينعم الغسل و ليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قراضة من شعره و أظفاره، فاستودع القراضة أنفى و فمي، و أذنى و عيني، و اجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون لفافى، و يا يزيد احفظ وصية اللَّه في الوالدين، فإذا أدرجتمونى في جريدتى و وضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية و أرحم الراحمين. و قال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل يقول:-
لعمري لقد عمرت في الدهر برهة* * * و دانت لي الدنيا بوقع البواتر
و أعطيت حمر المال و الحكم و النهى* * * و لي سلمت كل الملوك الجبابر
فأضحى الّذي قد كان مما يسرّنى* * * كحكم مضى في المزمنات الغوابر
فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة* * * و لم أسع في لذات عيش نواضر
و كنت كذي طمرين عاش ببلغة* * * فلم يك حتى زار ضيق المقابر
و قال محمد بن سعد. أنبأنا على بن محمد عن محمد بن الحكم عمن حدثه أن معاوية لما احتضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال- كأنه أراد أن يطيب له- لأن عمر بن الخطاب قاسم عماله. و ذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد فكان إذا لبس أو تغطى بشيء ثقيل يغمه، فاتخذ له
[١] سقط من نسخة طوب قبو بالأستانة.