البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن، و من أبغض عليا فذاك خصمه النبي، و من أبغض معاوية سحبته الزبانية، إلى جهنم الحامية، يرمى به في الحامية الهاوية.
و قال بعضهم: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عنده أبو بكر و عمر و عثمان و على و معاوية، إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول اللَّه هذا يتنقصنا، فكأنه انتهره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: يا رسول اللَّه إني لا أتنقص هؤلاء و لكن هذا- يعنى معاوية- فقال:
«ويلك! أو ليس هو من أصحابى؟ قالها ثلاثا، ثم أخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حربة فناولها معاوية فقال:
جا بها [١] في لبته»
فضربه بها و انتهبت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل و مات، و هو راشد الكندي. و روى ابن عساكر عن الفضيل بن عياض أنه كان يقول: معاوية من الصحابة، من العلماء الكبار، و لكن ابتلى بحب الدنيا. و قال العتبى: قيل لمعاوية أسرع إليك الشيب؟ فقال: كيف لا و لا أزال أرى رجلا من العرب قائما على رأسي يلقح لي كلاما يلزمني جوابه، فان أصبت لم أحمد، و إن أخطأت سارت بها البرود. و قال الشعبي و غيره: أصابت معاوية في آخر عمره لوقة [و روى ابن عساكر في ترجمة خديج الخصى مولى معاوية قال: اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلتها عليه مجردة، و بيده قضيب، فجعل يهوى به إلى متاعها- يعنى فرجها- و يقول: هذا المتاع لو كان لي متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا! ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشى- و كان فقيها- فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك و ذاك، و إني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين! فإنها لا تصلح له، فقال: نعم ما رأيت، قال: ثم وهبها لعبد اللَّه بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان أسود فقال له: بيض بها ولدك، و هذا من فقه معاوية و تحريه، حيث كان نظر إليها بشهوة، و لكنه استضعف نفسه عنها، فتحرج أن يهبها من ولده يزيد لقوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ و قد وافقه على ذلك الفقيه ربيعة بن عمرو الجرشى الدمشقيّ [٢]] [و ذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية، فقال لهم في الطريق:
إذا دخلتم على معاوية فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه لا يحب ذلك، فلما دخل عليه عمرو قبلهم، قال معاوية لحاجبه: أدخلهم، و أوعز إليه أن يخوفهم في الدخول و يرعبهم، و قال: إني لأظن عمرا قد تقدم إليهم في شيء؟. فلما أدخلوهم عليه- و قد أهانوهم- جعل أحدهم إذا دخل يقول: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلما نهض عمرو من عنده قال: قبحكم اللَّه! نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنّبوّة.
و ذكر أن رجلا سأل من معاوية أن يساعده في بناء داره باثني عشر ألف جذع من الخشب.
[١] كذلك بالأصلين و صوابه: جؤ لأنه أمر من باب قال.
[٢] سقط من المصرية