البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٧ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
ففرقتها من يومها فلم يبق منها درهم، فقالت لها خادمتها: هلا أبقيت لنا درهما نشتري به لحما تفطري عليه؟ فقالت: لو ذكرتيني لفعلت. و قال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة و هي بمكة بطوق قيمته مائة ألف فقبلته.
و قال زيد بن الحباب عن الحسين بن واقد عن عبد اللَّه بن بريدة. قال: قدم الحسن بن على على معاوية فقال له: لأجيزنك بجائزة لم يجزها أحد كان قبلي، فأعطاه أربعمائة ألف ألف. و وفد إليه مرة الحسن و الحسين فأجازهما على الفور بمائتي ألف، و قال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين، و لم تعط أحدا أفضل منا.
و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا يوسف بن موسى ثنا جرير عن مغيرة. قال: أرسل الحسن بن على و عبد اللَّه بن جعفر إلى معاوية يسألانه المال، فبعث إليهما- أو إلى كل منهما- بمائة ألف، فبلغ ذلك عليا فقال لهما: ألا تستحيان؟ رجل نطعن في عينه غدوة و عشية تسألانه المال؟ فقالا: بل حرمتنا أنت و جاد هو لنا.
و روى الأصمعي قال:
وفد الحسن و عبد اللَّه بن الزبير على معاوية فقال للحسن: مرحبا و أهلا بابن رسول اللَّه، و أمر له بثلاثمائة ألف، و قال لابن الزبير: مرحبا و أهلا بابن عمة رسول اللَّه، و أمر له بمائة ألف. و قال أبو مروان المرواني: بعث معاوية إلى الحسن بن على بمائة ألف فقسمها على جلسائه، و كانوا عشرة، فأصاب كل واحد عشرة آلاف. و بعث إلى عبد اللَّه بن جعفر بمائة ألف فاستوهبتها منه امرأته فاطمة فأطلقها لها، و بعث إلى مروان بن الحكم بمائة ألف فقسم منها خمسين ألفا و حبس خمسين ألفا، و بعث إلى ابن عمر بمائة ألف، ففرق منها تسعين و استبقى عشرة آلاف. فقال معاوية: إنه لمقتصد يحب الاقتصاد. و بعث إلى عبد اللَّه بن الزبير بمائة ألف فقال للرسول: لم جئت بها بالنهار؟ هلا جئت بها بالليل؟ ثم حبسها عنده و لم يعط منها أحدا شيئا، فقال معاوية: إنه لخب ضبّ، كأنك به قد رفع ذنبه و قطع حبله. و قال ابن داب: كان لعبد اللَّه بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، و يقضى له معها مائة حاجة، فقدم عليه عاما فأعطاه المال و قضى له الحاجات، و بقيت منها واحدة، فبينما هو عنده إذ قدم أصبغهند سجستان يطلب من معاوية أن يملكه على تلك البلاد، و وعد من قضى له هذه الحاجة من ماله ألف ألف، فطاف على رءوس الأشهاد و الأمراء من أهل الشام و أمراء العراق، ممن قدم مع الأحنف بن قيس، فكلهم يقولون: عليك بعبد اللَّه بن جعفر، فقصده الدهقان فكلم فيه ابن جعفر معاوية فقضى حاجته تكملة المائة حاجة، و أمر الكاتب فكتب له عهده، و خرج به ابن جعفر إلى الدهقان فسجد له و حمل إليه ألف ألف درهم، فقال له ابن جعفر: اسجد للَّه و احمل مالك إلى منزلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن. فبلغ ذلك معاوية فقال: لأن يكون يزيد قالها أحب إلى من خراج العراق، أبت بنو هاشم إلا كراما. و قال غيره: كان لعبد اللَّه بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه في بعض الأوقات دين خمسمائة ألف، فألحّ عليه