البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٦ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
هذا. و قال أبو عمرو بن العلاء قال معاوية: ما يسرني بذل الكرم حمر النعم. و قال: ما يسرني بذل الحلم عز النصر. و قال بعضهم: قال معاوية: يا بنى أمية فارقوا قريشا بالحلم، فو اللَّه لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعنى شتما و أوسعه حلما، فأرجع و هو لي صديق، إن استنجدته أنجدنى، و أثور به فيثور معى، و ما وضع الحلم عن شريف شرفه، و لا زاده إلا كرما و قال: آفة الحلم الذل.
و قال: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأى حتى يغلب حلمه جهله، و صبره شهوته، و لا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم. و قال عبد اللَّه بن الزبير: للَّه در ابن هند، إن كنا لنفرقه و ما الليث على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق لنا، و إن كنا لنخدعه و ما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، و اللَّه لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا الجبل حجر- و أشار إلى أبى قبيس- و قال رجل لمعاوية: من أسود الناس؟
فقال: أسخاهم نفسا حين يسأل، و أحسنهم في المجالس خلقا، و أحلمهم حين يستجهل. و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان معاوية يتمثل بهذه الأبيات كثيرا.
فما قتل السفاهة مثل حلم* * * يعود به على الجهل الحليم
فلا تسفه و إن ملّئت غيظا* * * على أحد فان الفحش لوم
و لا تقطع أخا لك عند ذنب* * * فان الذنب يغفره الكريم
[و قال القاضي الماوردي في الأحكام السلطانية: و حكى أن معاوية أتى بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد من بينهم، فقال:
يميني أمير المؤمنين أعيذها* * * بعفوك أن تلقى مكانا يشينها
يدي كانت الحسناء لو تم سترها* * * و لا تعدم الحسناء عيبا يشيبها
فلا خير في الدنيا و كانت حبيبة* * * إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فقال معاوية: كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك؟ فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين! اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلى سبيله، فكان أول حد ترك في الإسلام] [١]. و عن ابن عباس أنه قال: قد علمت بم غلب معاوية الناس، كانوا إذا طاروا وقع، و إذ وقع طاروا، و قال غيره: كتب معاوية إلى نائبة زياد: إنه لا ينبغي أن يسوس الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا، و لا بالشدة فيحمل الناس على المهالك، و لكن كن أنت للشدة و الفظاظة و الغلظة، و أنا للين و الألفة و الرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابا يدخل منه. و قال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز. قال:
قضى معاوية عن عائشة أم المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار، و ما كان عليها من الدين الّذي كانت تعطيه الناس. و قال هشام بن عروة عن أبيه. قال: بعث معاوية إلى أم المؤمنين عائشة بمائة ألف
[١] سقط من المصرية