البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٢ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
كلاماً كثيراً. فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان و قال: و اللَّه ما سمعت خطيباً ليس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبلغ من عائشة. و قال محمد بن سعد: حدثنا خالد بن مخلد البجلي ثنا سليمان بن بلال حدثني علقمة ابن أبى علقمة عن أمه. قالت: قدم معاوية بن أبى سفيان المدينة فأرسل إلى عائشة: أن أرسلي بانبجانية رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و شعره، فأرسلت به معى أحمله، حتى دخلت به عليه، فأخذ الانبجانية فلبسها، و أخذ شعره فدعا بماء فغسله و شربه و أفاض على جلده. و قال الأصمعي عن الهذلي عن الشعبي قال: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقته رجال من وجوه قريش فقالوا: الحمد للَّه الّذي أعز نصرك، و أعلا أمرك. فما رد عليهم جوابا حتى دخل المدينة، فقصد المسجد و علا المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد! فانى و اللَّه ما وليت أمركم حين وليته و أنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي و لا تحبونها، و إني لعالم بما في نفوسكم من ذلك، و لكنى خاستكم بسيفي هذا مخالسة، و لقد رمت نفسي على عمل ابن أبى قحافة فلم أجدها تقوم بذلك و لا تقدر عليه، و أردتها على عمل ابن الخطاب فكانت أشد نفورا و أعظم هربا من ذلك، و حاولتها على مثل سنيات عثمان فأبت على و أين مثل هؤلاء؟ و من يقدر على أعمالهم؟ هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممن بعدهم؟ رحمة اللَّه و رضوانه عليهم، غير أنى سلكت بها طريقا لي فيه منفعة، و لكم فيه مثل ذلك. و لكل فيه مواكلة حسنة، و مشاربة جميلة، ما استقامت السيرة و حسنت الطاعة، فان لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم، و اللَّه لا أحمل السيف على من لا سيف معه، و مهما تقدم مما قد علمتموه فقد جعلته دبر أذنى، و إن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فارضوا منى ببعضه، فإنها بقائبة قوبها، و إن السيل إذا جاء يبري، و إن قل أغنى، و إياكم و الفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة، و تكدر النعمة، و تورث الاستيصال، أستغفر اللَّه لي و لكم، أستغفر اللَّه. ثم نزل.- قال أهل اللغة: القائبة البيضة، و القوب الفرخ، قابت البيضة تقوب إذا انفلقت عن الفرخ-.
و الظاهر أن هذه الخطبة كانت عام حج في سنة أربع و أربعين، أو في سنة خمسين، لا في عام الجماعة.
و قال الليث: حدثني علوان بن صالح بن كيسان أن معاوية قدم المدينة أول حجة حجها بعد اجتماع الناس عليه، فلقيه الحسن و الحسين و رجال من قريش، فتوجه إلى دار عثمان بن عفان، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان و ندبت أباها، فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم فان لي حاجة في هذه الدار، فانصرفوا و دخل فسكن عائشة بنت عثمان، و أمرها بالكف و قال لها: يا بنت أخى إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، و أظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا، و باعونا هذا بهذا، فان أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا و غمطناهم بحقهم، و مع كل إنسان منهم شيعته، و هو يرى مكان شيعته، فان نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أ تكون