البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٠ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما كانت في على خصلة تقصر به عن الخلافة، و لم يكن في معاوية خصلة ينازع بها علياً. و قيل لشريك القاضي: كان معاوية حليما؟ فقال: ليس بحليم من سفه الحق و قاتل عليا. رواه ابن عساكر. و قال سفيان الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه ذكر معاوية و أنه لبى عشية عرفة فقال فيه قولا شديدا، ثم بلغه أن عليا لبى عشية عرفة فتركه. و قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني عباد بن موسى ثنا على بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبى عروبة عن عمر بن عبد العزيز. قال: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام و أبو بكر و عمر جالسان عنده، فسلمت عليه و جلست، فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي و معاوية، فأدخلا بيتا و أجيف الباب و أنا انظر، فما كان بأسرع من أن خرج على و هو يقول: قضى لي و رب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية و هو يقول: غفر لي و رب الكعبة. و روى ابن عساكر عن أبى زرعة الرازيّ أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: و لم؟ قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، و خصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما؟ رضى اللَّه عنهما. و سئل الامام أحمد عما جرى بين على و معاوية فقرأ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ و كذا قال غير واحد من السلف.
و قال الأوزاعي: سئل الحسن عما جرى بين على و عثمان فقال: كانت لهذا سابقة و لهذا سابقة، و لهذا قرابة و لهذا قرابة، فابتلى هذا و عوفي هذا. و سئل عما جرى بين على و معاوية فقال: كانت لهذا قرابة و لهذا قرابة، و لهذا سابقة و لم يكن لهذا سابقة، فابتليا جميعاً. و قال كلثوم بن جوشن:
سأل النضر أبو عمر الحسن البصري فقال: أبو بكر أفضل أم على؟ فقال: سبحان اللَّه و لا سواء، سبقت لعلى سوابق يشركه فيها أبو بكر، و أحدث على حوادث لم يشركه فيها أبو بكر، أبو بكر أفضل.
قال: فعمر أفضل أم على؟ فقال: مثل قوله في أبى بكر، ثم قال: عمر أفضل. ثم قال: عثمان أفضل أم على؟ فقال مثل قوله الأول، ثم قال: عثمان أفضل. قال: فعلى أفضل أم معاوية؟ فقال: سبحان اللَّه و لا سواء سبقت لعلى سوابق لم يشركه فيها معاوية، و أحدث على أحداثا شركه فيها معاوية، على أفضل من معاوية. و قد روى عن الحسن البصري أنه كان ينقم على معاوية أربعة أشياء، قتاله علياً، و قتله حجر بن عدي، و استلحاقه زياد بن أبيه، و مبايعته ليزيد ابنه. و قال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة. قال: لما جاء خبر قتل على إلى معاوية جعل يبكى، فقالت له امرأته: أ تبكيه و قد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل و الفقه و العلم، و في رواية أنها قالت له بالأمس تقاتلنه و اليوم تبكينه؟
قلت: و قد كان مقتل على في رمضان سنة أربعين، و لهذا قال الليث بن سعد: إن معاوية بويع