البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٩ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
و إن كتابا يا ابن حرب كتبته* * * على طمع جان عليك الدواهيا
سألت عليا فيه ما لا تناله* * * و لو نلته لم يبق إلا لياليا
إلى أن ترى منه الّذي ليس بعدها* * * بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا
و مثل على تغترره بخدعة* * * و قد كان ما خربت من قبل بانيا
و لو نشبت أظفاره فيك مرة* * * فراك ابن هند بعد ما كنت فاريا
و قد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولانيّ و جماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: و اللَّه إني لأعلم أنه خير منى و أفضل، و أحق بالأمر منى، و لكن أ لستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً، و أنا ابن عمه، و أنا أطلب بدمه و أمره إلى؟ فقولوا له: فليسلم إلى قتلة عثمان و أنا أسلم له أمره. فأتوا عليا فكلموه في ذلك فلم يدفع إليهم أحدا، فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية.
و عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي و أبى جعفر الباقر.
قال: بعث على رجلا إلى دمشق ينذرهم أن عليا قد نهد في أهل العراق إليكم ليستعلم طاعتكم لمعاوية، فلما قدم أمر معاوية فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فملئوا المسجد ثم صعد المنبر فقال في خطبته: إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق فما الرأى؟ فضرب كل منهم على صدره، و لم يتكلم أحد منهم، و لا رفعوا إليه أبصارهم، و قام ذو الكلاع فقال: يا أمير المؤمنين عليك الرأى و علينا الفعال، ثم نادى معاوية في الناس: أن اخرجوا إلى معسكركم في ثلاث، فمن تخلف بعدها فقد أحل بنفسه، فاجتمعوا كلهم، فركب ذلك الرجل إلى على فأخبره، فأمر على مناديا فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فقال: إن معاوية قد جمع الناس لحربكم، فما الرأى؟ فقال كل فريق منهم مقالة، و اختلط كلام بعضهم في بعض، فلم يدر على مما قالوا شيئا، فنزل عن المنبر و هو يقول:
إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ذهب و اللَّه بها ابن آكلة الأكباد.
ثم كان من أمر الفريقين بصفين ما كان، كما ذكرناه مبسوطا في سنة ست و ثلاثين. و قد قال أبو بكر بن دريد: أنبأنا أبو حاتم عن أبى عبيدة. قال قال معاوية: لقد وضعت رجلي في الركاب و هممت يوم صفين بالهزيمة، فما منعني إلا قول ابن الاطنابة حيث يقول:-
أبت لي عفتي و أبى بلائي* * * و أخذى الحمد بالثمن الربيح
و إكراهى على المكروه نفسي* * * و ضربي هامة البطل المشيح
و قولي كلما جشأت و جاشت* * * مكانك تحمدي أو تستريحي
و روى البيهقي عن الامام أحمد أنه قال: الخلفاء أبو بكر و عمر و عثمان و على، فقيل له: فمعاوية؟
قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان على من على، و رحم اللَّه معاوية. و قال على بن المديني: