البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
بالسنة في الأرض المقدسة التي جعلها اللَّه محل الأنبياء و الصالحين من عباده، فأحلها أهل الشام و رضيهم لها، و رضيها لهم، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم و مناصحتهم أولياءه فيها، و القوام بأمره، الذابين عن دينه و حرماته، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما، و في أعلام الخير عظاما، يردع اللَّه بهم الناكثين، و يجمع بهم الألفة بين المؤمنين، و اللَّه نستعين على إصلاح ما تشعث من أمور المسلمين، و تباعد بينهم بعد القرب و الألفة، اللَّهمّ انصرنا على قوم يوقظون نائما، و يخيفون آمنا، و يريدون هراقة دمائنا، و إخافة سبلنا، و قد يعلم اللَّه أنا لا نريد لهم عقابا، و لا نهتك لهم حجابا، غير أن اللَّه الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى، و سقط الندى، و عرف الهدى، و قد علمنا أن الّذي حملهم على خلافنا البغي و الحسد لنا، فاللَّه نستعين عليهم. أيها الناس! قد علمتم أنى خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، و أنى خليفة أمير المؤمنين عثمان عليكم، و أنى لم أقم رجلا منكم على خزاية قط، و إني ولى عثمان و ابن عمه، قال اللَّه تعالى في كتابه: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً و قد علمتم أنه قتل مظلوما، و أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان.
فقال أهل الشام بأجمعهم: بل نطلب بدمه، فأجابوه إلى ذلك و بايعوه، و وثقوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسهم و أموالهم، أو يدركوا بثأره، أو يفنى اللَّه أرواحهم قبل ذلك، فلما رأى جرير من طاعة أهل الشام لمعاوية ما رأى، أفزعه ذلك، و عجب منه. و قال معاوية لجرير: إن ولانى على الشام و مصر بايعته على أن لا يكون لأحد بعده على بيعة،
فقال: اكتب إلى على بما شئت، و أنا أكتب معك، فلما بلغ عليا الكتاب قال: هذه خديعة،
و قد سألني المغيرة بن شعبة أن أولى معاوية الشام و أنا بالمدينة فأبيت ذلك (و ما كنت متخذ المضلين عضدا) ثم كتب إلى جرير بالقدوم عليه، فما قدم إلا و قد اجتمعت العساكر إلى على، و كتب معاوية إلى عمرو بن العاص- و كان معتزلا بفلسطين حين قتل عثمان- و كان عثمان قد عزله عن مصر فاعتزل بفلسطين، فكتب إليه معاوية يستدعيه ليستشيره في أموره فركب إليه فاجتمعا على حرب على. و قد قال عقبة بن أبى معيط في كتاب معاوية إلى على حين سأله نيابة الشام و مصر، فكتب إلى معاوية يؤنبه و يلومه على ذلك و يعرض بأشياء فيه.
معاوي إن الشام شامك فاعتصم* * * بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
فان عليا ناظر ما تجيبه* * * فأهد له حربا يشيب النواصيا
و حام عليها بالقتال و بالقنا* * * و لاتك مخشوش الذراعين وانيا
و إلا فسلّم إن في الأمن راحة* * * لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا