البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
«تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين، فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق» فكانت المارقة الخوارج، و قتلهم على و أصحابه، ثم قتل على فاستقل معاوية بالأمر سنة إحدى و أربعين، و كان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف و مرة في الشتاء، و يأمر رجلا من قومه فيحج بالناس، و حج هو سنة خمسين، و حج ابنه يزيد سنة إحدى و خمسين. و فيها أوفى التي بعدها أغزاه بلاد الروم [فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، و قد ثبت في الصحيح: «أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم».] [١] و قال وكيع عن الأعمش عن أبى صالح. قال: كان الحادي يحدو بعثمان فيقول:
إن الأمير بعده على* * * و في الزبير خلف مرضى
فقال كعب: بل هو صاحب البغلة الشهباء- يعنى معاوية- فقال: يا أبا إسحاق تقول هذا و هاهنا على و الزبير و أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: أنت صاحبها. و رواه سيف عن بدر بن الخليل عن عثمان ابن عطية الأسدي عن رجل من بنى أسد. قال: ما زال معاوية يطمع فيها منذ سمع الحادي في أيام عثمان يقول:
إن الأمير بعده على* * * و في الزبير خلف مرضى
فقال كعب: كذبت! بل صاحب البغلة الشهباء بعده- يعنى معاوية- فقال له معاوية في ذلك فقال: نعم! أنت الأمير بعده، و لكنها و اللَّه لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا، فوقعت في نفس معاوية.
و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا محمد بن عباد المكيّ ثنا سفيان بن عيينة عن أبى هارون قال قال عمر: إياكم و الفقرة بعدي، فان فعلتم فان معاوية بالشام، و ستعلمون إذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها دونكم. و رواه الواقدي من وجه آخر عن عمر رضى اللَّه عنه. و قد روى ابن عساكر عن عامر الشعبي أن عليا حين بعث جرير بن عبد اللَّه البجلي إلى معاوية قبل وقعة صفين- و ذلك حين عزم عليّ على قصد الشام، و جمع الجيوش لذلك- و كتب معه كتابا إلى معاوية يذكر له فيه أنه قد لزمته بيعته، لانه قد بايعه المهاجرون و الأنصار، فان لم تبايع استعنت باللَّه عليك و قاتلتك. و قد أكثرت القول في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلى أحملك و إياهم على كتاب اللَّه، في كلام طويل. و قد قدمنا أكثره، فقرأه معاوية على الناس و قام جرير فخطب الناس، و أمر في خطبته معاوية بالسمع و الطاعة، و حذره من المخالفة و المعاندة، و نهاه عن إيقاع الفتنة بين الناس، و أن يضرب بعضهم بعضا بالسيوف. فقال معاوية: انتظر حتى آخذ رأى أهل الشام، فلما كان بعد ذلك أمر معاوية مناديا فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد المنبر فخطب فقال: «الحمد للَّه الّذي جعل الدعائم للإسلام أركانا، و الشرائع للايمان برهانا، يتوقد مصباحه
[١] سقط من نسخة طوب قبو بالأستانة.