البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٧ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
أخطأ فيما أمتحنه به لم أدعه يتكلم في أمرك. ثم إنه انفرد عن القوم- و كان راكبا مهرا- حتى توارى عنهم خلف رابية فنزل عن فرسه ثم صفر له حتى أدلى، ثم أخذ حبة بر فأدخلها في إحليل المهر، و أوكى عليها بسير حتى أحكم ربطها، ثم صفر له حتى اجتمع إحليله، ثم أتى القوم فظنوا أنه ذهب ليقضى حاجة له، ثم أتى الكاهن فلما قدموا عليه أكرمهم و نحر لهم، فقال له عتبة: انا قد جئناك في أمر، و لكن لا أدعك تتكلم فيه حتى تبين لنا ما خبأت لك، فأنى قد خبأت لك خبيئا فانظر ما هو، فأخبرنا به. قال الكاهن: ثمرة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبات بر في إحليل مهر، قال: صدقت فخذ لما جئناك له، انظر في أمر هؤلاء النسوة، فأجلس النساء خلفه و هند معهم لا يعرفها، ثم جعل يدنو من إحداهن فيضرب كتفها و يبريها، و يقول: انهضى، حتى دنا من هند فضرب كتفها و قال انهضى حصان رزان، غير رسخا و لا زانية، و لتلدنّ ملكا يقال له معاوية. فوثب إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنترت يدها من يده و قالت له: إليك عنى، و اللَّه لا يجمع رأسي و رأسك وسادة، و اللَّه لأحرصن أن يكون هذا الملك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان بن حرب فجاءت منه بمعاوية هذا. و في رواية أن أباها هو الّذي قال للفاكه ذلك و اللَّه سبحانه أعلم.
و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
و هو معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، القرشي الأموي، أبو عبد الرحمن، خال المؤمنين، و كاتب وحي رسول رب العالمين. و أمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أسلم معاوية عام الفتح، و روى عنه أنه قال: أسلمت يوم القضية و لكن كتمت إسلامي من أبى، ثم علم بذلك فقال لي: هذا أخوك يزيد و هو خير منك على دين قومه، فقلت له: لم آل نفسي جهدا. قال معاوية: و لقد دخل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مكة في عمرة القضاء و إني لمصدق به، ثم لما دخل عام الفتح أظهرت إسلامي فجئته فرحب بى، و كتبت بين يديه. قال الواقدي: و شهد معه حنينا، و أعطاه مائة من الإبل، و أربعين أوقية من ذهب، وزنها بلال، و شهد اليمامة. و زعم بعضهم أنه هو الّذي قتل مسيلمة، حكاه ابن عساكر، و قد يكون له شرك في قتله، و إنما الّذي طعنه وحشي، و جلله أبو دجانة سماك بن خرشة بالسيف، و كان أبوه من سادات قريش، و تفرد بالسؤدد بعد يوم بدر، ثم لما أسلم حسن بعد ذلك إسلامه، و كان له مواقف شريفة، و آثار محمودة في يوم اليرموك و ما قبله و ما بعده، و صحب معاوية رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كتب الوحي بين يديه مع الكتاب، و روى عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث كثيرة في الصحيحين و غيرهما من السنن و المسانيد، و روى عنه جماعة من الصحابة و التابعين، قال أبو بكر بن أبى الدنيا: كان معاوية طويلا