البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٩ - أبو هريرة الدوسيّ رضى اللَّه عنه
عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه- يعنى عروة بن الزبير بن العوام- قال: قال لي أبى الزبير: أدنني من هذا اليماني- يعنى أبا هريرة- فإنه يكثر الحديث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، و جعل الزبير يقول: صدق، كذلك صدق، كذب. قال: قلت يا أبة ما قولك صدق كذب؟ قال: يا بنى أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلا أشك، و لكن منها ما يضعه على مواضعه، و منها ما وضعه على غير مواضعه. و قال على بن المديني عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبى اليسر بن أبى عامر.
قال: كنت عند طلحة بن عبيد اللَّه إذ دخل رجل فقال: يا أبا محمد و اللَّه ما ندري هذا اليماني أعلم برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) منكم، أم يقول على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما لم يسمع، أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: و اللَّه ما نشك أنه قد سمع من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما لم نسمع، و علم ما لم نعلم، إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوتات و أهلون، و كنا نأتي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) طرفي النهار ثم نرجع، و كان هو مسكينا لا مال له و لا أهل، و إنما كانت يده مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان يدور معه حيث ما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم و سمع ما لم نسمع. و قد رواه الترمذي بنحوه. و قال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة فقيل له: أنت صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و تحدث عن أبى هريرة؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، و إني إن أحدث عنه أحب إلى من أن أحدث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- يعنى ما لم أسمعه منه- و قال مسلم بن الحجاج: حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ ثنا مروان الدمشقيّ عن الليث بن سعد حدثني بكير بن الأشج. قال قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا اللَّه و تحفظوا من الحديث، فو اللَّه لقد رأيتنا تجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و يحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن كعب، و حديث كعب عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و في رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول اللَّه، و ما قاله رسول اللَّه عن كعب، فاتقوا اللَّه و تحفظوا في الحديث. و قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس- أي يروى ما سمعه من كعب و ما سمعه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لا يميز هذا من هذا- ذكره ابن عساكر.
و كان شعبة يشير بهذا إلى حديثه «من أصبح جنبا فلا صيام له» فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر و لم أسمعه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال شريك عن مغيرة عن إبراهيم. قال: كان أصحابنا يدعون من حديث أبى هريرة، و روى الأعمش عن إبراهيم. قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، و قال الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبى هريرة شيئا، و ما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهى عن شرجاء القرآن به. و قد انتصر ابن عساكر لأبى هريرة و ردّ هذا الّذي قاله إبراهيم