البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - في ذكر شيء من سيرته العادلة و سريرته الفاضلة و مواعظه و قضاياه الفاصلة و خطبه الكاملة و حكمه التي هي إلى القلوب واصله
إذا اشتملت على الناس القلوب* * * و ضاق بما به الصدر الرحيب
و أوطنت المكاره و اطمأنت* * * و أرست في أماكنها الخطوب
و لم تر لانكشاف الضر وجها* * * و لا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث* * * يمنّ به القريب المستجيب
و كل الحادثات إذا تناهت* * * فموصول بها الفرج القريب
و مما أنشده أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأمير المؤمنين على بن أبى طالب:-
ألا فاصبر على الحدث الجليل* * * و داو جواك بالصبر الجميل
و لا تجزع فان أعسرت يوما* * * فقد أيسرت في الدهر الطويل
و لا تظنن بربك ظن سوء* * * فان اللَّه أولى بالجميل
فان العسر يتبعه يسار* * * و قول اللَّه أصدق كل قيل
فلو أن العقول تجر رزقا* * * لكان الرزق عند ذوى العقول
فكم من مؤمن قد جاع يوما* * * سيروى من رحيق السلسبيل
فمن هوان الدنيا على اللَّه أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته، و يشبع الكلب مع خساسته، و الكافر يأكل و يشرب، و يلبس و يتمتع، و المؤمن يجوع و يعرى، و ذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين. و مما أنشده على بن جعفر الوراق لأمير المؤمنين على بن أبى طالب
أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها* * * زين الرجال بها تعز و تكرم
و دع التواضع في الثياب تخشعا* * * فاللَّه يعلم ما تجن و تكتم
فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة* * * عند الإله و أنت عبد مجرم
و بهاء ثوبك لا يضرك بعد أن* * * تخشى الإله و تتقى ما يحرم
و هذا كما
جاء في الحديث: «إن اللَّه لا ينظر إلى صوركم و لا إلى ثيابكم و إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم»
و قال الثوري: ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا و لا بأكل الخشن، إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل.
و قال أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المبرد: كان مكتوبا على سيف على:
للناس حرص على الدنيا و تدبير* * * و في مراد الهوى عقل و تشمير
و إن أتوا طاعة للَّه ربهم* * * فالعقل منهم عن الطاعات مأسور
لأجل هذا و ذاك الحرص قد مزجت* * * صفاء عيشاتها هم و تكدير
لم يرزقوها بعقل عند ما قسمت* * * لكنهم رزقوها بالمقادير