إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٦٥ - ٣٦ شرح إعراب سورة يس
٣٦١-
يا دار غيّرها البلى تغييرا [١]
قال أبو جعفر: في هذا بطلان باب النداء أو أكثره لأنه يرفع النكرة المحضة و يرفع ما هو منزلة المضاف في طوله و يحذف التنوين متوسطا و يرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما حكاه عن العرب فلا يشبه ما أجازه، لأن تقدير:
يا مهتمّ بأمرنا لا تهتمّ، على التقديم و التأخير، و المعنى: يا أيّها المهتم لا تهتمّ بأمرنا.
و تقدير البيت: يا أيّها الدار، ثم حوّل المخاطبة أي يا هؤلاء غير هذه الدار البلى، كما قال جلّ و عزّ: حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢]. و كان أبو إسحاق يقول: بأن قوله جلّ و عزّ: يََا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبََادِ من أصعب ما في القرآن من المسائل، و إنما قال هذا لأن السؤال فيه أن يقال: ما الفائدة في نداء الحسرة؟قال أبو جعفر: و قد شرح هذا سيبويه بأحسن شرح، و مذهبه أن المعنى إذا قيل: يا عجباه فمعناه يا عجب هذا من أبانك، و من أوقاتك التي يجب أن تحضرها و المعنى على قوله إنه يجب أن تحضر الحسرة لهم على أنفسهم لاستهزائهم بالرسل، و في معنى الآية قول غريب إسناده جيد رواه الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: لمّا رأى الكفار العذاب قالوا: يا حسرة على العباد، يعنون بالعباد الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إليهم تحسروا على فواتهم إن لم يحضروا حتى يؤمنوا. قال اللّه تعالى: مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الحجر: ١١].
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ أَنَّهُمْ قال الفراء [٢] : «كم» في موضع نصب من وجهين: أحدهما بيروا، و استشهد على هذا القول بأنه في قراءة عبد اللّه بن مسعود ا لم يروا من أهلكنا ، و الوجه الآخر أن تكون «كم» في موضع نصب بأهلكنا. قال أبو جعفر: القول الأول محال لأن «كم» لا يعمل فيها ما قبلها لأنها استفهام، و محال أن يدخل الاستفهام في حيّز ما قبله، و كذا حكمها إذا كانت خبرا، و إن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل «أنّهم» بدلا من «كم» ، و قد ردّ عليه محمد بن يزيد هذا أشدّ ردّ، و قال: «كم» في موضع نصب بأهلكنا «و أنّهم» في موضع نصب. و المعنى عنده:
بأنهم أي ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون بالاستئصال.
[١] الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء ٢/٣٧٦، و قد ذكر سيبويه في الكتاب ٢/٢٠٣ البيت للأحوص الأنصاري باختلاف بسيط:
«
يا دار حسّرها البلى تحسيرا # و سفت عليها الريح بعدك مورا
»
[٢] انظر معاني الفراء ٢/٣٧٦.