إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٣٤ - ٣٤ شرح إعراب سورة سبأ
فَقََالُوا رَبَّنََا بََاعِدْ بَيْنَ أَسْفََارِنََا فيه ستة أوجه من القراءات [١] قرأ الحسن و أبو رجاء و أبو مالك و أبو جعفر و شيبة و نافع و يحيى بن وثاب و الأعمش و عاصم و حمزة و الكسائي رَبَّنََا بََاعِدْ بَيْنَ أَسْفََارِنََا ، و قرأ مجاهد و ابن كثير و أبو عمرو ربّنا بعد بين أسفارنا و قرأ محمد ابن الحنفية و يروى عن ابن عباس و أبي صالح ربّنا باعد بين أسفارنا ، و قرأ يحيى بن يعمر و عيسى بن عمر و تروى عن ابن عباس ربّنا بعّد بين أسفارنا ، و قرأ سعيد بن أبي الحسن و هو أخو الحسن البصري فقالوا ربّنا بعد بين أسفارنا . فهذه خمس قراءات. و روى الفراء و أبو إسحاق السادسة ربّنا بعد بين أسفارنا قال أبو جعفر: القراءة الأولى ربّنا نصب على أنه نداء مضاف و هو منصوب على أنه مفعول به لأن معناه ناديت و دعوت، و كذلك القراءة الثانية و «باعد» و «بعّد» واحد في المعنى، كما تقول: قارب و قرّب، و المعنى على ما روى محمد بن ثور عن معمر عن قتادة قال: كانوا آمنين يخرجون إلى أسفارهم و لا يتزوّدون يبيتون في قرية و يقيلون في قرية فبطروا النعمة فقالوا: ربّنا بعد بين أسفارنا فعاقبهم اللّه جلّ و عزّ.
و القراءة الثالثة «ربّنا» رفع بالابتداء و «باعد» فعل ماض في موضع الخبر، و كذا الرابعة، و قد فسّرها ابن عباس قال: شكوا أن ربّهم باعد بين أسفارهم. القراءة الخامسة ربّنا بعد بين أسفارنا . «ربّنا» نداء مضاف ثم أخبروا بعد ذلك فقالوا «بعد بين أسفارنا» و رفع «بين» بالفعل أي بعد ما يتصل بأسفارنا. و القراءة السادسة مثل هذه إلا أنها تنصب «بين» على أنه ظرف، و تقديره في العربية: بعد سيرنا بين أسفارنا. و هذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال: إحداها أجود من الأخرى، لا يقال ذلك في الأخبار إذا اختلفت معانيها و لكن خبّر عنهم أنهم دعوا أن يبعّد بين أسفارهم بطر و أشرا، و خبّر أنهم لمّا فعل بهم ذلك خبّروا به و شكوا، كما قال ابن عباس وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي بكفرهم فَجَعَلْنََاهُمْ أَحََادِيثَ أي يتحدّث بهم بأخبارهم، و تقديره في العربية ذوي أحاديث. وَ مَزَّقْنََاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي لمّا لحقهم ما لحقهم تفرّقوا و تمزّقوا. قال الشعبي:
فلحقت الأنصار بيثرب. و غسان بالشام، و أسد بعمان، و خزاعة بتهامة. إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِكُلِّ صَبََّارٍ شَكُورٍ «صبّار» تكثير صابر، و الصابر الذي يصبر عن المعاصي يمدح بهذا الاسم و إن أردت أنه صبر على المعصية لم يستعمل فيه إلا صابر عن كذا قال جلّ و عزّ إِنَّمََا يُوَفَّى اَلصََّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسََابٍ [الزمر: ١٠].
[١] انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني ١٤٧، و البحر المحيط ٧/٢٦٢، و كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٩، و المحتسب ٢/١٨٩.