إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٥ - ١٩ شرح إعراب سورة مريم
من ورائي من بعد موتي و لكن من ورائي في ذلك الوقت، و هذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنّهم خفّوا في ذلك الوقت و قلّوا، و قد أخبر اللّه عزّ و جلّ عنهم بما يدلّ على الكثرة حين قالوا: أيّهم يكفل مريم؟ وَ كََانَتِ اِمْرَأَتِي عََاقِراً أي لا تلد كأنّ بها عقرا.
و الفعل منه عقرت مسموع من العرب، و القياس عقرت. فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا و المستقبل يهب، و الأصل يوهب بكسر الهاء، و من قال: الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو و كما لم تحذف في يوجل، و إنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء و كسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا من حروف الحلق.
و قرأ أهل الحرمين و الحسن و عاصم و حمزة يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [١]
برفعهما، و قرأ يحيى بن يعمر و أبو عمرو و يحيى بن وثاب و الأعمش و الكسائي يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [٢] بالجزم فيهما. قال أبو جعفر: القراءة الأولى بالرفع أولى في العربية و أحسن، و الحجّة في ذلك ما قاله أبو عبيد فإن حجّته حسنة. قال: المعنى:
فهب لي من لدنك الوليّ الذي هذه حاله و صفته لأن الأولياء منهم من لا يرث، فقال:
هب الّذي يكون وارثي، و ردّ الجزم؛ لأن معناه إن وهبته لي ورثني، فكيف يخبر اللّه جلّ و عزّ بهذا و هو أعلم به منه؟و هذه حجة مقتضاة لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط و المجازاة. تقول: أطع اللّه جلّ و عزّ يدخلك الجنة و المعنى: إن تطعه يدخلك الجنة. فأما معنى يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة:
قيل: هي وراثة نبوّة، و قيل: هي وراثة حكمة، و قيل: هي وراثة مال. فأما قولهم وراثة نبوة محال؛ لأن النبوة لا تورث، و لو كانت تورث لقال قائل: الناس كلّهم ينسبون إلى نوح صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو نبيّ مرسل. و وراثة الحكمة و العلم مذهب حسن. و في الحديث «العلماء ورثة الأنبياء» [٣] و أما وراثة المال فلا يمتنع و إن كان قوم قد أنكروه لقول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «لا نورث ما تركنا صدقة» [٤] فهذا لا حجّة فيه؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجميع و قد يؤول هذا بمعنى لا نورث الذي تركناه صدقة لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لم يخلف شيئا يورث عنه، و إنما كان الذي له أباحه اللّه عزّ و جلّ إياه في حياته بقوله جلّ و عزّ وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ [الأنفال: ٤١]لأن معنى للّه جلّ و عزّ لسبل اللّه جلّ ثناؤه، و من سبل اللّه تبارك و تعالى ما يكون في مصلحة الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم ما دام حيّا فإن قيل: ففي بعض الروايات «إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» ففيه التأويلان جميعا أن يكون «ما» بمعنى الذي، و الآخر لا يورث من
[١] انظر البحر المحيط ٦/١٦٥.
[٢] انظر تيسير الداني ١٢٠.
[٣] أخرجه ابن ماجة في سننه في المقدمة ١٧-حديث ٢٢٣، و الدارمي في سننه ١/٩٨.
[٤] أخرجه مالك في الموطأ باب ١٢ حديث ٢٧، و الترمذي في سننه-السير ٧/١١٢، و أبو داود في سننه رقم (٢٩٧٧) .