إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ١٠ - ١٩ شرح إعراب سورة مريم
إحداهما لاجتماعهما و كثرة الاستعمال، و كان القياس أن تخفّف الثانية فتكون واوا فيقال أوكل كما يقال: أوجر فلان من الأجر، فلمّا حذفت الهمزة الثانية استغني عن الأولى فقيل: كلي، و حذفت النون لأن الفعل غير معرب و للجزم عند الكوفيين و كذا و اشربي و قرّي. قال الأصمعي: قررت به عينا، مشتقّ من القرّ أي بردت عيني فلم تدمع فتسخن، و قال أبو عمرو الشيباني: هو من قررت في المكان أي قرّت عيني فنامت و لم تسهر، و قيل: معناه قررت أي هدأت لمّا نلت ما كنت متطلعا إليه. فَإِمََّا تَرَيِنَّ في موضع جزم بالشرط. و الأصل فإما تريي، زيدت النون توكيدا، و صلح ذلك في الخبر لدخول «ما» ، و حكى سيبويه [١] ، «بألم ما تختننّه» [٢] و لو نطق به بغير نون لكان «فإما ترى» فلمّا زدت النون رددته إلى أصله و كسرت الياء لالتقاء الساكنين، و كانت الكسرة أولى للفرق بين المذكّر و المؤنّث ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على الراء و حذفت فصار ترين. فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنْسِيًّا مشتق من آنس إذا علم و أبصر، و الانسيّ مبصر معلوم به و الجمع «أناسي» ، تزاد الألف ثالثة، كما يعمل في المجموع فتقول: بختيّ و بخاتيّ و ذلك كثير معروف.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهََا تَحْمِلُهُ في موضع الحال.
يََا أُخْتَ هََارُونَ نداء مضاف. و الأصل أخوة يدلّ على ذلك أخوات و قال محمد بن يزيد: حذفت الواو فرقا بين المتشبّث و غير المتشبّث. و لا نعلم أحدا سبق أبا العباس إلى هذا القول مع حسنه و جودته. و زعم الفراء أنه إنما ضمّت الهمزة في قولهم أخت و كسرت الباء في قولهم: بنت للفرق بين ما حذفت منه الواو و بين ما حذفت منه الياء فالضمة علم الواو و الكسرة علم الياء. و ذكر محمد بن يزيد أن هذا القول خطأ.
قال أبو جعفر: في قوله: «يا أخت هارون» قولان للعلماء: أحدهما أن هارون كان رجلا صالحا فقالوا يا أخت هارون أي يا شبيهته في الصّلاح، و إنما المؤمنون إخوة من هذا، و آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بين أصحابه. و روى جعفر عن سعيد بن جبير أنه كان رجل فاسق يقال له هارون فقالوا لها: يا أخت هارون. قال أبو جعفر: و القول الأول أولى لأن فيه حديثا مسندا.
[١] انظر الكتاب ٣/٥٨٠.
[٢] ورد المثل في خزانة الأدب ١١/٤٠٣، و مجمع الأمثال ١/١٠٧، و المعنى: لا يكون الختان إلا بألم، أي إنّ الخير لا يدرك إلا باحتمال المشقّة.