كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٩٠ - الفصل الثالث و الأربعون و المائة وصيته بتعلم الفقه و قراءة كتب الشيخ الطوسي الفقهية و بيان ابتداء دراسته للعلوم الإسلامية
و هيأ اللّه جلّ جلاله من كتب المجاميع و الآثار المشتملة على فنون مختلفة قد جرت في الأعصار، مروجة للأسرار، و مذكّرة بالمكارم و الايثار و صفات الاختيار، فقف منها يا ولدي على ما يقرب من المطّلع جلّ جلاله على سريرتك، المحاسب لك على إرادتك، التي إنك مضطر إلى رضاه في دنياك و آخرتك. و اياك أن تنظر فيها مما يشغلك عن مولاك و عن المراقبة لاطلاعه عليك، و ذكر حضورك بين يديه و شكر احسانه إليك، فيصير ذلك الاطلاع من الأسقام و الأدواء، و يكون ذلك الكتاب من جملة الأعداء.
و هيأ اللّه جلّ جلاله عندي كتبا في الطب عن الأئمة الطاهرين و عن العلماء المتبحرين، فأعتمد في طب الأبدان على العالم بباطن ما يتجدد فيها من النقصان قبل أن تظهر أمراضها إلى الأطباء، و فوّض إليه و توكّل عليه و سلّم ملكه إليه، تجده طبيبا للأدواء و الأسقام، مغنيا لك عن طبيب الأنام.
و استعمل في زوال الأمراض ما رويناه عن التربة الشريفة، و الدعوات المنيفة، و العوذ المعتبرة عن العترة المطهرة.
و إن احتجت إلى معالجة الأطباء فاعمل فيما يصفونه لك من أسباب الشفاء على الاستخارة و المشاورة للّه جلّ جلاله، كما شرحناه في كتاب (فتح الأبواب)، فإنّه جلّ جلاله يعلم مقدار المرض، و مقدار ما يحتاج إليه من دواء مفترض، و كم تكون مدة الدواء.
و أما الطبيب من البشر فإنه يعلم ما ظهر، و لا يعلم ما اختفى منه، و لا مقدار المرض، و مقدار ما يحتاج إليه على صفة لا يكون فيها زيادة و لا نقيصة عنه، و لا يعرف كم يبقى المرض من الزمان. و إنما يداوي بمقدار غلبة ظنه، و كم قتل بغلط ظنونه من انسان، فقد رأينا من سقاه من شربات، فكان الذي سقاه أكثر مما يحتاج إليه في العادات فمات، و من اشتبه عليه وجه أسقامه فهلك بالمعاني و كانت سبب طول آلامه.
و قد عرفت أن هذا الجسد و ما يحتاج إليه ملك اللّه جلّ جلاله، و بقاؤه لأجله