كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢١ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى. وَ الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً.
إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرَكُ[١]، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ الْأَيَّامِ. وَ رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ[٢]. وَ عَبْدِ الدُّنْيَا. وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ. وَ غَرِيمِ الْمَنَايَا. وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ. وَ حَلِيفِ الْهُمُومِ. وَ قَرِينِ الْأَحْزَانِ. وَ نُصُبِ الْآفَاتِ[٣].
وَ صَرِيعِ الشَّهَوَاتِ، وَ خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَ[٤] وَ إِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ[٥]، وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي[٦]، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ[٧]، وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَ صِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ. وَ وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَ كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ[٨] مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ.
فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَيْ بُنَيَّ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ، وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ. وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ؟
أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ، وَ أَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَ قَوِّهِ وَ بِالْيَقِينِ، وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ،
[١] يؤمّل البقاء و هو ممّا لا يدركه أحد.
[٢] هدفها ترمي إليه سهامها. و الرّهينة المرهونة أي أنّه في قبضتها و حكمها. و الرّميّة ما أصابه السّهم.
[٣] من قولهم فلان نصب عيني بالضّمّ أي لا يفارقني. و الصّريع: الطّريح.
[٤] جموح الدّهر: استعصاؤه و تغلّبه.
[٥] ما مفعول تبيّنت.
[٦] من أمر الآخرة.
[٧] صدفه: صرفه، و الضّمير في صرفني للرّأي. و محض الأمر: خالصه.
[٨] مفعول كتب هو قوله فإنّي أوصيك الخ. و قوله مستظهرا به أي مستعينا بما أكتب إليك على ميل قلبك و هوى نفسك.