كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٦٧ - الفصل الخامس و الثلاثون بيان الطريق الذي يتبعه المعتزلة في معرفة الله
فأشار الأنبياء صلوات اللّه عليهم، و الكتب المنزلة عليهم إلى نحو هذه التنبيهات على هذه الدلالات الظاهرات، فعدل شيوخ المعتزلة بالخلائق إلى غير تلك الطرائق، و ضيّقوا عليهم سبل الحقائق، كما عدل من أراد تعريف حقيقة النّار المعلومة بالاضطرار إلى استخراجها من الشجر أو الحرّاق أو الأحجار و هذا مثال يعرف أهل الانصاف أنه حق صحيح و ما يحتاج الى زيادة استكشاف.
[الفصل الخامس و الثلاثون: بيان الطريق الذي يتبعه المعتزلة في معرفة اللّه]
(الفصل الخامس و الثلاثون) و كان مثالهم مع المتعلم منهم و مثاله معهم أيضا، كمثل انسان كان بين يديه شمعة مضيئة اضاءة باهرة، فأخذها استاذه من بين يديه و أبعدها عنه مسافة بعيدة، كثيرة الحوائل و الموانع من نظره بتلك الشمعة التي كانت حاضرة عنده و قال له: تجهز للسفر بالزاد و الرفقاء و العدة و الأدلآء حتى تصل إلى معرفة تلك الشمعة، و تنظر حقيقة ما هي عليه من الضياء.
فقبل ذلك المغتر المتعرف من ذلك الاستاذ المتكلّف، و سافر مدة من الأوقات، فتارة يرى جبالا و عقبات فلا يظهر له من حقيقة الشمعة كثير و لا قليل، و تارة يرى ضوء فيقول: لعله ضوء تلك الشمعة، و يستنجد بمساعدة الرفيق و الدليل، فإن عجز عن اتمام المسافة، و قطع الطريق بما يرى فيها من العقبات و التطويل و التضييق، هلك المسكين و رجع خاسرا للدنيا و الدين. فقد عرفنا من جماعة أنهم أوقعهم ذلك في شكوك و تضليل، و كان ضلالهم من سوء توفيق الدليل.
و لئن مشي هذا المسترشد و احتمل مشقة الأسفار و ركوب الأخطار، و سلم من أن يعجز في الطريق و يترك الشمعة بالكلية كثيرا ما يحصل له اذا وجدها من حقيقتها مثل الذي كان يعرفه في الفطرة الأولية، فضاع عمره و تعبه في زيادة معرفتها.