كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢٥ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
خَلَطَ، وَ الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ[١].
فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي، وَ اعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ، وَ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ، وَ أَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ، وَ أَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي، وَ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ[٢]، وَ الِابْتِلَاءِ، وَ الْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا نَعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمْتَ. وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ، وَ لْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ[٣].
وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ. فَارْضَ بِهِ رَائِداً[٤]، وَ إِلَى النَّجَاةِ قَائِداً، فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً[٥].
وَ إِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ- وَ إِنِ اجْتَهَدْتَ- مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ.
وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ، وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ، وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتِهِ، وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ. لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَ لَا يَزُولُ أَبَداً. وَ لَمْ يَزَلْ أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ[٦]، وَ آخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ. عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ[٧]، وَ قِلَّةِ مَقْدُرَتِهِ،
[١] حبس النّفس عن الخلط و الخبط في الدّين أحسن.
[٢] لا تثبت الدّنيا إلّا على ما أودع اللّه في طبيعتها من التّلوّن بالنّعماء تارة و الاختيار بالبلاء تارة و إعقابها للجزاء في المعاد يوم القيامة على الخير خيرا و على الشّرّ شرّا.
[٣] شفقتك أي خوفك.
[٤] الرّائد من ترسله في طلب الكلإ ليتعرّف موقعه. و الرّسول قد عرف عن اللّه و أخبرنا فهو رائد سعادتنا.
[٥] لم أقصّر في نصيحتك.
[٦] فهو أوّل بالنّسبة إلى الأشياء لكونه قبلها إلّا أنّه لا أوّليّة أي لا ابتداء له.
[٧] خطره أي قدره.