كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٤٩ - الفصل الخامس و الخمسون و المائة رسالة الإمام علي(ع) إلى شيعته و من يعز عليه
اخْتَلَفُوا عَلَيْكَ فَدَعْهُمْ وَ مَا هُمْ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَكَ مَخْرَجاً».
فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لَا مَعِي مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ[١] بِهِمْ عَنِ الْهَلَاكِ؛ وَ لَوْ كَانَ لِي بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ لَمْ أُبَايِعْ كَرْهاً [مُكْرَهاً «خ»] وَ لَكِنِّي بُلِيتُ[٢] بِرَجُلَيْنِ- حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ- الْعَبَّاسِ وَ عَقِيلٍ، فَضَنِنْتُ بِأَهْلِ بَيْتِي عَنِ الْهَلَاكِ، فَأَغْضَيْتُ عَيْنِي عَلَى الْقَذَى، وَ تَجَرَّعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَى وَ صَبَرْتُ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ حَزِّ الشِّفَارِ[٣].
وَ أَمَّا أَمْرُ عُثْمَانَ فَكَأَنَّهُ عُلِمَ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى[٤] خَذَلَهُ أَهْلُ بَدْرٍ.
[١] الرّافد: المعين و المساعد. و ضننت بهم- من باب علم و نفع-: بخلت بهم و احتفظت عليهم كما يبخل بالنّفائس و يتحفّظ عليها. و ما هنا قريب جدّا ممّا في المختار( ٢٥ و ٢١٤) من خطب النّهج، و ما ذكره عليه السّلام من خوفه على استيصاله و استيصال أهل بيته لو لم يبايع القوم، قد تواتر عنه عليه السّلام و القرائن القطعيّة شاهدة له، قال عبد الرّحمان بن عوف يوم بايع عثمان: يا عليّ فلا تجعل إلى نفسك سبيلا فإنّه السّيف لا غير. الامامة و السياسية ٢٧. و إن تعمّقت في وصيّة عمر، أو ما جرى يوم السّقيفة لترى الأمر جليّا.
[٢] و في نسخة البحار:« و لكنّي منيت» و هما بمعنى واحد، و ما ذكره عليه السّلام بالنّسبة إلى العبّاس و عقيل جليّ لمن تأمّل في سيرتهما في بدء الإسلام إلي زمان وفاتهما، و كذا الكلام بالنّظر إلى سيرة حمزة و جعفر( رض) فلو كانا حيّين لما اغتنم أصحاب السّقيفة اشتغال الوصيّ بتجهيز الرّسول( ص) غنيمة باردة لنهب الخلافة، و لهابوهم هيبة الثّعلب من الأسد، و لما وقع الوصيّ بين المحذورين: من اجتياح العترة و عود الكفر- لو قام لإحقاق حقّه و دفع مخاصميه- و من غصب حقّه لو سكت.
[٣]« أغضيت عيني القذى» أي غمضتها عليه.
و الإغضاء: غمض جفني العين و تطبيقهما حتّى لا يرى شيئا. و القذى: ما يقع في العين من تبن و نحوه.
و الشّجى: ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه. و العلقم: شجر مرّ بالغ المرارة. و يطلقه العرب على كلّ مرّ.
و الحزّ: الوجع و الألم. و الشّفار: جمع الشّفرة كضربة: السّكاكين العظيمة العريضة. قال محمّد عبده:« و كلّ هذا تمثيل للصّبر، و الاختناق على المضض الّذي آلم به من حرمانه حقّه و تألّب القوم عليه».
[٤] لعلّ المراد أنّ أمره كان شبيها بأمور وقعت على القرون الأولى الّتي لم تكونوا شاهدي أعمالهم لتعلموا حسن عاقبتهم أو شناعتها، فعلمها عند اللّه الّذي لا ينسى، و لا يضلّ، و لا يعزب عنه شيء، و علم الحوادث قبل وقوعها فاثبتها في اللّوح المحفوظ.
و يمكن أن يريد( ع) من قوله:« في كتاب» القرآن، فالمراد أنّ حاله يستعلم من القرآن، فإن كان في أعماله خائفا فله جنّتان، و إن كان ظالما غير مبال باللّه تعالى، فهو ممّن يعضّ على يديه و يقول: يا ليتني اتّخذت مع الرّسول سبيلا، ليتني لم أتّخذ فلانا خليلا. و لعلّ هذا المعنى أوفق بقوله:« خذله أهل بدر» إذ أتباع معاوية و أنصاره يروون عنه( ص) ما معناه: إنّ اللّه اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. و كذا يروون عنه( ص) قوله: أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. و لا خلاف أنّ جمهور البدريّين من المهاجرين و الأنصار خذلوا عثمان، بل رؤساؤهم كطلحة و الزّبير، كانوا ممّن ألّبوا على عثمان.