كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٦١ - الفصل الخامس و الخمسون و المائة رسالة الإمام علي(ع) إلى شيعته و من يعز عليه
بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَالْعَجَبُ لِاخْتِلَافِهَا إِيَّاكُمَا[١] وَ مَسِيرِهَا مَعَكُمَا، فَكُفَّا عَنَّا أَنْفُسَكُمَا وَ ارْجِعَا مِنْ حَيْثُ جِئْتُمَا، فَلَسْنَا عَبِيْدَ مَنْ غَلَبَ، وَ لَا أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ» فَهَمَّا بِهِ ثُمَّ كَفَّا عَنْهُ.
وَ كَانَتْ عَايِشَةُ قَدْ شَكَّتْ فِي مَسِيرِهَا وَ تَعَاظَمَتِ الْقِتَالَ[٢] فَدَعَتْ كَاتِبَهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ النُّمَيْرِيَّ فَقَالَتْ: اكْتُبْ مِنْ عَايِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ[٣]. فَقَالَ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَجْرِي بِهِ الْقَلَمُ. قَالَتْ وَ لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي الْإِسْلَامِ أَوَّلٌ، وَ لَهُ بِذَلِكَ الْبَدْءُ فِي الْكِتَابِ. فَقَالَتْ: اكْتُبْ «إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ عَايِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ قَرَابَتَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَا قِدَمَكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَ لَا غَنَاءَكَ [عَنَاءَكَ «مَ»] مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِنَّمَا خَرَجْتُ مُصْلِحَةً بَيْنَ بَنِيَّ لَا أُرِيدُ حَرْبَكَ إِنْ كَفَفْتَ عَنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ» فِي كَلَامٍ لَهَا كَثِيرٍ، فَلَمْ أُجِبْهَا بِحَرْفٍ، وَ أَخَّرْتُ جَوَابَهَا لِقِتَالِهَا، فَلَمَّا قَضَى اللَّهُ لِيَ الْحُسْنَى سِرْتُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَ اسْتَخْلَفْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ؛ فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَ قَدِ اتَّسَقَتْ لِيَ الْوُجُوهُ كُلُّهَا إِلَّا الشَّامَ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَّخِذَ الْحُجَّةَ وَ أُفْضِيَ [وَ أَقْضِيَ «م»] الْعُذْرَ، وَ أَخَذْتُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ[٤].
[١] الاختلاف: التّردّد و الاياب و الذّهاب. و قوله:« و مسيرها معكما» تفسير له.
[٢] لما استبان لها ان النّاس كافّة علموا أن خروجها مخالفة للّه و لرسوله، و عصيان لقوله تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ و قوله( ص):« يا حميراء إيّاك أن تكوني ممّن تنبحها كلاب الحوأب» و لما رأت من تجمع أصحاب رسول اللّه( ص) و الجمّ الغفير من فرسان أهل الكوفة حول أمير المؤمنين( ع).
[٣] قايس بين ما أرادت أن تكتب الى أمير المؤمنين( ع)- لولا أن كاتبها نهاها عنه- و بين ما ذكره عنها في عنوان:« نهر مرّة» من كتاب معجم البلدان: ج ٨، ص ٣٤٥، من أنّها كتبت الى دعي معاوية ردّا على قول رسول اللّه( ص):« الولد للفراش و للعاهر الحجر»- زياد بن عبيد، أو أبيه: الى زياد بن أبي سفيان، من عايشة أم المؤمنين الخ.
باللّه عليكم أيّها المنصفون أ ليس هذا تكذيبا لرسول اللّه( ص) و تصديقا لمعاوية في القضاء الّذي اعترف معاوية نفسه بأنّه قضاء معاوية، و قضاء الرّسول( ص) أن الولد للفراش.
[٤]« الحسنى»: العاقبة الحسنة. الظّفر. و« اتسقت لي الوجوه»: انتظم لي جميع نواحي المسلمين، و انقادوا جميعهم. و« أفضى العذر»- من باب أفعل- كأنّه من قولهم:« أفضى المكان»: وسعه، و على هذا فهو كناية عن العذر الواسع المستبين الّذي لا يخفى على من له أدنى شعور و ادراك، و يقال:« أفضى اليه افضاء»: وصل. و« أفضى اليه بسره»: أعلمه به. و يقال:« قضى يقضي- من باب رمى- الشّيء قضاء»: صنعه بأحكام و قدره. و« قضى حاجته»: أتمّها و فرغ منها. و« قضى الأمر اليه»: أبلغه. و« قضى العهد»: أنفذه. و« النبذ» كفلس-: القاء الخبر الى من لا يعلمه.« و السّواء»- بفتح السّين-: العدل.
فمعنى الآية الشّريفة: اذا خفت من قوم بينك و بينهم معاهدة خيانة و نقض عهد بعلامات تلوح منها الغدر، فاطرح أنت ما بينك و بينهم من العهد اليهم و اعلمهم انك قد نقضت ما بينك و بينهم لتكون أنت و هم في العلم بالنقض سواء، و لا ينسبونك الى الغدر.