كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٥٠ - الفصل الرابع عشر و المائة مصاديق اخرى للطف الله تعالى بعبده
ثم جعل لك من أنواره و مباره عينا تنظر إليه، و يدا تمتد نحو الخبز و تقبض عليه، و فما و أسنانا و تدبيرا محكما لا يحتوي وصفي عليه. و أجرى لك الريق من حيث لا تعلم من مجاري ما حفرتها و لا حفرها لك آباؤك و لا امهاتك، و لا كان من الخلائق من يقدر أن يجريه لك إلّا من بيده حياتك و مماتك، و جعل مجاريه بقدر حاجتك إلى تلك اللقمة، فلو كان أكثر من حاجتك كان قدر جرى إلى خارج فمك و كدّر عليك و لو كان دون حاجتك كانت اللقمة يابسة لا تتهنأ بها على عادتك، فإيّاك ثم إيّاك أن تهوّن برحمته و حقوق نعمته و عظيم هيبته و حرمته، و انك تحت قبضته.
[الفصل الرابع عشر و المائة: مصاديق اخرى للطف اللّه تعالى بعبده]
(الفصل الرابع عشر و المائة) ثم تذكّر يا ولدي محمد ذكّرك اللّه جلّ جلاله بما يريد من مراحمه، و عرّفك بفضل مكارمه، كيف أجرى الماء الذي تحتاج إليه من العيون و من تحت الأرضين، و فتقها بقدرته، و فيها ماء هو بين صخر أصم تعجز عن فتقه قوة العالمين، ثم كيف أنزل ما أنزله من السحاب المسخر بين السماء و الأرض، و جعل السحاب كالمنخل لينزل بنقط متفرقة سهلة النزول من ذلك العلى، و لو جعله جاريا من الغمام مثل جريه في البحار و الأنهار كان قد أهلك بني آدم، و أتلف ما خلق لهم من النبات و الأشجار، و خرّب ما بنوه من الديار.
و كيف لم تخلط النقطة في طريق نزولها بمصادمة الهواء، و كيف جعله في وقت دون وقت بحسب الحاجات، و جعله مباحا مطلقا للعزيز و الذليل في سائر الأوقات لما علم أنّه من أهم الضرورات، لئلا يمنعه الملوك الظالمون عن المحتاجين إليه، و كل عدو عن عدوه، و يفسد تدبير الدنيا، و يموت من يمنع منه بالمغالبة عليه.
فاذكر عند شربك له ما ذكرت من رحمة سيدك عليه، و اعرف له المنة العظمى، و احمده بغاية ما أقدرك عليه، و تذكّر عند شرب الماء أنّك ما صح لك الانتفاع بلذة تلك الشربة اليسيرة حتى عمل اللّه جلّ جلاله لأجل شربك مملكة كبيرة، لأن شربتك