كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٧٦ - الفصل السابع و الأربعون أهلية المكلفين لإنزال الكتب السماوية عليهم و إبعاث الأنبياء لهم
[الفصل السابع و الأربعون: أهلية المكلفين لإنزال الكتب السماوية عليهم و إبعاث الأنبياء لهم]
(الفصل السابع و الأربعون) ثم جعلك اللّه جلّ جلاله يا ولدي محمّد و سائر المكلفين أهلا أن يكتب اليكم كتابا من مقدّس جلالته و عظيم ربوبيته مع غنائه لذاته عن خليقته، و أن يبعث رسلا من نوّابه و أنبيائه و خاصته، و لم يكن بنو آدم في مقام أن يبلغ حالهم إلى هذا المقام من كرامة.
ثم بلغ الأمر بين اللّه جلّ جلاله القادر القاهر مالك الأوائل و الأواخر، و بين بني آدم الضعفاء و الأذلآء الأصاغر، الذين انتظم حال وجودهم من تراب و روح كالهواء، إلى أن ينيلهم الدنيا قبل معرفتهم به و خدمتهم له، و فيها ما هم إليه محتاجون، و ما أتعبهم في بنائها و انشائها و لا كانوا ممن يقدرون، فلا يعترفون و لا يشكرون، حتى كأنهم البانون لها و الفاطرون.
ثم يحسن و يسيئون، و يقبل فيعرضون، و يعدهم فلا يتقون، و يتقرّب إليهم فيتباعدون، و يتحبّب إليهم فيكرهون، و يؤدي الأمانات إليهم فيخونون، و يصفو معهم فيتكدرون، و يستر عليهم فيتجاهرون، و يطلع عليهم فلا يستحيون، و يتهددهم فلا يخافون، و يطلبهم عدوهم فيسارعون، و يسألهم أن يسكنوه في قلوبهم التي هي من جملة ما وهبهم فلا يفعلون، و يبذل أجر[١] السكنى أوّلا و حاضرا و مستقبلا فلا يقبلون، و يطلب منهم بعض ما أعطاهم ليدخرها لهم فلا يجيبون، و يعرض عليهم ما ينفعهم فيعرضون، و يريهم آياته في أنفسهم و في الآفاق فلا يبصرون، و يوثقهم من دار قد عمّرها لهم كاملة الصفاء دائمة البقاء و يريد انتقالهم اليها فلا يوافقون.
و لو أعطاهم غيره من بني آدم بعض ما في يده شكروه أكثر من شكرهم لمولاهم، و لو أعرض عنهم سلطان بلدهم تلافوه و تداركوا غضبه بغاية قواهم،
[١] في النسختين الخطيتين( ض) و( ع): أجرى.