كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٤٢ - الفصل الخامس و الخمسون و المائة رسالة الإمام علي(ع) إلى شيعته و من يعز عليه
اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَ إِنْ رَغِمَ الْكَافِرُونَ[١].
وَ لَقَدْ كَانَ سَعْدٌ لَمَّا رَأَى النَّاسَ يُبَايِعُونَ أَبَابَكْرٍ، نَادَى أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُهَا حَتَّى رَأَيْتُكُمْ تَصْرِفُونَهَا عَنْ عَلِيٍّ، وَ لَا أُبَايِعُكُمْ حَتَّى يُبَايَعَ عَلِيٌّ، وَ لَعَلِّي لَا أَفْعَلُ وَ إِنْ بَايَعَ[٢].
[١]« نهضت»: قمت، و النّهوض: القيام بالشّيء و الإسراع إليه. و« الأحداث»- جمع الحدث كفرس و هو-:
الأمر المنكر الّذي ليس معتادا و لا معروفا في السّنّة، و هو البدعة في الدّين. و« زهق الباطل». خرجت روحه و مات. و« رغم الشّيء رغما»- كضرب و نصر و منع-: كرهه. و المصدر على زنة الفلس و الفرس.
[٢] هذا الكلام و ما تقدّم آنفا من قوله عليه السّلام:« و تثبّط الأنصار- و هم أنصار اللّه و كتيبة الإسلام- و قالوا:
أمّا إذا لم تسلّموها لعليّ فصاحبنا أحقّ بها من غيره» دالّان على أنّ الأنصار و رئيسهم سعدا، لم يتجاسروا على ادّعاء الخلافة و الامارة، إلّا بعد ما رأوا أنّها مصروفة عن الوصيّ عليه السّلام و منهوبة عنه بإغارة أهل الشّره، و وثوب المنهمكين في الحرص و الطّمع، فخافوا من الأضغان الجاهليّة، و دوائر السّوء عليهم، فادعوها لأنفسهم، و مثل هذا الكلام ما رواه في الدّرجات الرّفيعة ص ٣٢٦ في ترجمة سعد، من أنّه قال:
« لو بايعوا عليّا لكنت أوّل من بايع».
و روي أيضا عن محمّد بن جرير الطّبريّ، عن أبي علقمة، قال قلت لسعد بن عبادة و قد مال النّاس لبيعة أبي بكر: تدخل فيما دخل فيه المسلمون. قال: إليك عنّي فو اللّه لقد سمعت رسول اللّه( ص) يقول:« إذا أنا متّ تضلّ الأهواء، و يرجع النّاس على أعقابهم، فالحقّ يومئذ مع عليّ، و كتاب اللّه بيده» لا نبايع لأحد غيره.
فقلت له: هل سمع هذا الخبر غيرك من رسول اللّه. فقال: سمعه أناس في قلوبهم أحقاد و ضغائن. قلت:
بل نازعتك نفسك ان يكون هذا الأمر لك دون النّاس كلّهم. فحلف أنّه لم يهمّ بها، لم يردها، و أنّهم لو بايعوا عليّا كان أوّل من بايع سعد. أقول و رواه في الحديث( ٤٤١) فى الفصل( ٤١) من الباب العاشر، من إثبات الهداة: ٤، ١٥٦، عن أربعين محمّد طاهر القمّىّ، قال: و روى أصحابنا عن كتاب ابن جرير الطّبريّ، عن سعد بن عبادة أنّه قال الخ. و ممّا يدلّ على أنّ اوّل من أقدم على نهب الخلافة و ابتزازها، هم الشّيخان و أتباعهم دون سعد، ما ذكره أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبته الوسيلة، من قوله:« ألا و إنّ أوّل شهادة زور وقعت في الاسلام شهادتهم أنّ صاحبهم مستخلف رسول اللّه ص، فلمّا كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك الخ. و ما رواه البخاريّ و مسلم في صحيحيهما، و الحميديّ في الجمع بين الصّحيحين، و ابن هشام في سيرته، و أبو حاتم: محمّد بن التّميميّ البستيّ في كتاب« الثّقات» و ابن حجر في الصّواعق، و السّيوطيّ في تاريخ الخلفاء، و الطّبريّ في تاريخه: ج ٢، ٤٤٦- و اللّفظ له- قال عمر:« بلغني أنّ قائلا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا. فلا يغرّنّ امرء أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كان كذلك غير أنّ اللّه وقى شرّها، و إنّه كان من خبرنا حين توفّى اللّه نبيّه( ص) إنّ عليّا و الزّبير، و من معهما تخلّفوا عنّا في بيت فاطمة، و تخلّفت عنّا الأنصار بأسرها» الخ فإنّ هذا الكلام صريح أنّ الأنصار تخلّفوا كتخلّف عليّ و أتباعه، و ممّا يدلّ أيضا على شهامة الشّيخين و أتباعهم، و أنّهم كانوا أوّل من تصدّى للتّقمّص بالخلافة، ما كتبه- مروّج أساس القوم و حافظ دعائمهم- معاوية، إلى محمّد بن أبي بكر في كتاب طويل، و فيه:« فقد كنّا- و أبوك فينا- نعرف فضل ابن أبي طالب و حقّه لازما لنا مبرورا، فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده و قبضه إليه، فكان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه حقّه، و خالفه على أمره» الخ و هذا الكتاب و إن استحيى الطّبريّ من ذكره معتذرا بأنّه ممّا يكرهه العامّة، و لكنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ، و لا يخاف من كراهة العامّة، فأظهر الحقّ بنقل المسعوديّ في مروج الذّهب: ج ٣ ص ١٢. و برواية نصر في كتاب صفّين ص ١١٨، و ابن أبي الحديد في شرح المختار( ٤٦) من خطب نهج البلاغة ج ٣ ص ١٩٠.