كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٨٧ - الفصل الثالث و الأربعون و المائة وصيته بتعلم الفقه و قراءة كتب الشيخ الطوسي الفقهية و بيان ابتداء دراسته للعلوم الإسلامية
فقلت: أنا في حياة و بين قبور، أنظر إلى قوم بينا هم في سرور و غرور إذ هجم عليهم هادم اللذات، و مفرّق الجماعات، و صاحب الشتاتات، فنقلهم إلى محلة الأموات، و قطعهم عما كانوا فيه من اللذات، و صاروا في ذل الحسرات و أسر الندامات.
و هيأ اللّه جلّ جلاله ما كنت أشرت إليه من الفقه المروي عن جدك سيد المرسلين و أبيك أمير المؤمنين و عترتهما المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين، تصنيفا من شيعتهم و أخيارا كبارا من الكتب و صغارا، فاشتغل بالقراءة في الفقه باللّه جلّ جلاله و للّه جلّ جلاله، على رجل صالح ورع من أهل هذا العلم الموهوب، فانني أرجو من رحمة ربي فاتح أبواب المطلوب أن يغنيك بالمدة اليسيرة عن المدّة الكثيرة.
و قد تقدّم شرح الحال في الاشتغال بهذا العلم المذكور، و أنا أريد في وصف الاشتغال بما يسهل عليك طلب هذه الامور، فانني اشتغلت بعلم الفقه، و قد سبقني جماعة إلى تعليمه بعدة سنين، فحفظت في نحو سنة ما كان عندهم، و فضلت عليهم بعد ذلك بعناية ربّ العالمين و رحمته لمن يريد جلّ جلاله من ذرية جدك سيد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله.
و قد كنت قد ابتدأت بحفظ (الجمل و العقود)، و قصدت معرفة ما فيه بغاية المجهود، و كانوا الذين قد سبقوني ما لأحدهم إلّا الكتاب الذي يشتغل فيه، و كان لي عدة كتب في الفقه من كتب جدي ورّام بن أبي فراس قدّس اللّه سره و زاده من مراضيه، انتقلت إلي من والدتي رضي اللّه عنها بأسباب شرعية في حياتها، و هي من بقايا ما تفضل اللّه جلّ جلاله به منها.
فصرت اطالع بالليل كل شيء يقرأ فيه الجماعة الذين تقدموني بالسنين، و أنظر كلّما قاله مصنّف عندي، و أعرف ما بينهم من الخلاف على عادة المصنّفين، و إذا حضرت مع التلامذه بالنهار أعرف ما لا يعرفون و أناظرهم و أنشط في القراءة بسرور الاستظهار.