كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢٦ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
وَ كَثْرَةِ عَجْزِهِ؛ وَ عَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ، وَ الرَّهْبَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَ الشَّفَقَةِ مِنْ سَخَطِهِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّا بِحُسْنٍ وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ.
يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا وَ زَوَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا، وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا، وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا. إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا[١] كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ[٢] وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ، وَ جُشُوبَةَ المَطْعَمِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً، وَ لَا يَرَوْنَ نَفَقَةً مَغْرَماً، وَ لَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَ أَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلِّهِمْ.
وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَ لَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ[٣] وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ.
يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَ لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ. وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ[٤]. وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ.
[١] خبر الدّنيا: عرفها كما هي بامتحان أحوالها. و السّفر- فتح فسكون- المسافرون. و نبا المنزل بأهله: لم يوافقهم المقام فيه لوخامته. و الجديب: المقحط لا خير فيه. و أمّوا: قصدوا. و الجناب: النّاحية. و المريع- بفتح فكسر كثير العشب.
[٢] وعثاء السّفر: مشقّته. و الجشوبة- بضمّ الجيم-: الغلظ، أو كون الطّعام بلا أدم.
[٣] هجم عليه: انتهى إليه بغتة.
[٤] إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم فارض بذلك و لا تطلب منهم أزيد ممّا تقدّم لهم.