كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٥٥ - الفصل السابع عشر و المائة مصاديق لطف الله تعالى بعبده
مثاله: تحتاج إلى غلام أو جارية تغنيك بخدمتها على التفرغ لطاعة مولاك و خدمته، فلا تشغل بذكر الغلام و الجارية و الشفقة عليهما من سيدك و مولاك المحسن إليك و اليهما، و تذكّر أنه ما كان في مقدورك أن تخلقهما و لا تخلق ما يحتاجان، و تحتاج إليه أنت من ثمنهما و تذللهما لطاعتك و مؤنتهما و حسن رعايتهما، و لا أن تمضي إلى بلاد الكفر فتنهبهما، و لا أن يكونا من امة جدك محمد صلوات اللّه عليه و آله حتى يحل لك معونتهما لك بخدمتك.
و لا كنت قادرا أن تبعث ذلك الرسول المعظّم إلى العباد، و تفتح به ما فتح اللّه جلّ جلاله بنبوّته من البلاد، و لا كنت قادرا أن تؤيده بالمعجزات و تمده بالملائكة من السماوات.
و غير ذلك من الأسباب التي هي من مولاك ربّ الأرباب، فإنك ما قدرت أن تحضر ذلك الغلام و الجارية بين يديك إلّا بعد أن أنعم مولاك بجميع هذه النعم عليك، فكيف يحل أو يليق بعاقل أن ينساه أو يؤثر عليه سواه و ما كان يحصل ما حصل لولاه.
و مثال ذلك: أنك تحتاج إلى دابة تركبها في مهماتك و ارادتك، التي تعينك على سعادة دنياك و آخرتك، فإنك لو كنت تتكلف الأسفار بالمشي على قدميك، كان في ذلك من الذل و المشقّة ما لا يخفى عليك.
و تفكّر أنه لو لم يخلق اللّه دابة تركب إلّا دابتك، كيف كنت تكون في السرور بها و التعظيم لواهبها، و كيف كان يحسدك الملوك و غيرهم عليها، و كيف كانت تكون آية اللّه جلّ جلاله تنظر الخلائق إليها، فكن عافاك اللّه بتلك المنة الجليلة و الأيادي العظيمة الجميلة.
و ايّاك أن تكون كثرة الدواب من ربّ الأرباب يهون قدر النعمة بها، و يصغر عندك شرف بذله جلّ جلاله بها، فإن العقل ما قضى أن كلّما بالغ المولى الأعظم في الأكرام و الاسعاف، إن العبد يبالغ في الاحتقار لمولاه و الاستخفاف، حتى يبلغ الجاهلين إلى مقام الجحود لصاحب الجود و الهلاك في اليوم الموعود،