كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٧٦ - الفصل السادس و الثلاثون و المائة جوارح الإنسان بضائعه الى الله تعالى
[الفصل الخامس و الثلاثون و المائة: توصيته ولده بذكر اللّه دوما]
(الفصل الخامس و الثلاثون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد حفظ اللّه جلّ جلاله فيك عنايته بآبائك الطاهرين و سلفك الصالحين، و سلك بهم كامل سبيلهم القوي المكين، أن أصل ما أنت فيه أن تكون ذاكرا أنك بين يدي اللّه جلّ جلاله و أنّه مطّلع عليك، و أنك كلما تتقلب فيه من احسانه إليك، و أنه صحبك من ابتداء إنشائك من التراب و تنقلك من الآباء و الامهات- كما شرحنا فيما فات- احسن الصحبة بالعنايات، و صحبك في وقت وجودك بما نبّهناك به عليه من السعادات، و أنت محتاج إلى جميل صحبته و رحمته مع دوام بقائه بعد الممات.
و من ذا يحميك منه إن أعرض عنك أو أعرضت عنه؟ و من الذي يحفظ عليك إذا ضيّعت نفسك و كلّما في يديك؟ و من الذي إذا أخرجته من قلبك تتعوض به عن ربك جلّ جلاله؟ فاريد من رحمته أن يملأ قلبك من معرفته و هيبته و رحمته، و يستعمل عقلك و جوارحك في خدمته و طاعته، حتى يكون إن جلست فتكون ذاكرا أنك بين يديه، و إن أقمت تكون ذاكرا أن قوة قدرتك على المشي منه، و تتأدب في المشي تأدب الماشي بحضرة ملك الملوك إليه الذي لا غناء عنه.
[الفصل السادس و الثلاثون و المائة: جوارح الإنسان بضائعه الى اللّه تعالى]
(الفصل السادس و الثلاثون و المائة) و اعلم أن جوارحك بضائع معك للّه جلّ جلاله، و أمانات جعلك تاجرا فيها لنفسك و لآخرتك، فمتى صرفتها في غير ما خلقت له من الطاعات و المراقبات، أو أنفقت وقتا من أوقاتك في الغفلات، كان ذلك الخسران عائدا إليك بالنقصان، و مثمرا أن يعاملك سيدك بالهجران و استخفاف الهوان.
و لا تقل أو تسمع من الجاهلين أو الغافلين إن هذا ما يقدر عليه، فانهم قالوا لنا مثل ذلك، و عرفنا باللّه جلّ جلاله أنّهم غالطون فيما أشاروا عليه؛ لأننا و وجدنا من نفوسنا و عقولنا أنها تتأدب مع الملوك و العظماء في دار الفناء، و مع الأصدقاء