كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢٧ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ[١]. فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ[٢] وَ لَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ[٣]. وَ إِذَا أَنْتَ هَدَيْتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ.
وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ[٤] وَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ. وَ أَنَّهُ لَا غِنَى لَكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الِارْتِيَادِ[٥]. قَدْرَ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ. فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ فَيَكُونَ ثِقْلُ ذَلِكَ وَبَالًا عَلَيْكَ. وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وَ حَمِّلْهُ إِيَّاهُ[٦]. وَ أَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ.
وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَؤُوداً[٧]، الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمُثْقِلِ، وَ الْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالًا مِنَ الْمُسْرِعِ، وَ أَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لَا مَحَالَةَ عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ. فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُلِكَ[٨] وَ وَطِّئِ الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ[٩]، وَ لَا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ. وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وَ تَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ، وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَ تَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْكَ،
[١] الإعجاب: استحسان ما يصدر عن النّفس مطلقا و هو خلق من أعظم الأخلاق مصيبة على صاحبه، و من أشدّ الآفات ضررا لقلبه.
[٢] الكدح: أشدّ السّعي.
[٣] لا تحرص على جمع المال ليأخذه الوارثون بعدك بل أنفق فيما يجلب رضاء اللّه عنك.
[٤] هو طريق السّعادة الأبديّة.
[٥] الارتياد: الطّلب. و حسنه: إتيانه من وجهه. و البلاغ- بالفتح-: الكفاية.
[٦] الفاقة: الفقر، و إذا أسعفت الفقراء بالمال كان أجر الإسعاف و ثوابه ذخيرة تنالها في القيامة، فكأنّهم حملوا عنك زادا يبلغك موطن سعادتك يؤدّونه إليك وقت الحاجة. و هذا الكلام من أفصح ما قيل في الحثّ على الصّدقة.
[٧] صعبة المرتقى. و المخفّ- بضمّ فكسر-: الّذي خفّف حمله، و المثقل بعكسه، و هو من أثقل ظهره بالأوزار.
[٨] أبعث رائدا من طيّبات الأعمال توقفك الثّقة به على جودة المنزل.
[٩] المستعتب و المنصرف مصدران، و الاستعتاب: الاسترضاء، و الانصراف إلى الدّنيا بعد الموت حتّى يمكن استرضاء اللّه بعد اغضابه باستئناف العمل.