كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢٢ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
وَ ذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ[١]، وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ، وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ آثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَ عَمَّا انْتَقَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا، فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ، وَ حَلُّوا دِيَارَ الْغُرْبَةِ، وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ. فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ، وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ. وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ الْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ. وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ. وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَ لِسَانِكَ وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ[٢]. وَ جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ وَ لَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.
وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ[٣]، وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ، وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَ نِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُّرُ. وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ[٤]. وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ. وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ، وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ[٥] وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْهَا صَفْحاً[٦] فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ. وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ[٧].
أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً[٨]، وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَ أَوْرَدْتُ خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُعَجِّلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ[٩]
[١] اطلب منه الإقرار بالفناء. و بصّره أي اجعله بصيرا بالفجائع جمع فجيعة و هي المصيبة تفزع بحلولها.
[٢] باين أي باعد و جانب الّذي يفعل المنكر.
[٣] الغمرات الشّدائد.
[٤] الكهف اللّجأ. و الحريز: الحافظ.
[٥] الاستخارة إجالة الرّأي في الأمر قبل فعله لاختيار أفضل وجوهه.
[٦] صفحا أي جانبا أي لا تعرض عنها.
[٧] لا يحقّ بكسر الحاء و ضمّها أي لا يكون من الحقّ كالسّخر و نحوه.
[٨] أي وصلت النّهاية من جهة السّنّ. و الوهن: الضّعف.
[٩] أفضي: ألقي إليك.