كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٣٧ - الفصل الخامس و الخمسون و المائة رسالة الإمام علي(ع) إلى شيعته و من يعز عليه
خُشْنٍ وَ أَوْثَانٍ مُضِلَّةٍ[١] وَ تَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الْجَشْبَ، وَ تَشْرَبُونَ الْمَاءَ الْآجِنَ[٢] تُسَافِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَ يَسْبِي بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَ قَدْ خَصَّ اللَّهُ قُرَيْشاً بِثَلَاثِ آيَاتٍ وَ عَمَّ الْعَرَبَ بِآيَةٍ، فَأَمَّا الْآيَاتُ اللَّوَاتِي فِي قُرَيْشٍ فَهُوَ [كَذَا] قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وَ الثَّانِيَةُ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
وَ الثَّالِثَةُ قَوْلُ قُرَيْشٍ لِنَبِيِّ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ الْهِجْرَةِ، فَقَالُوا: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا، وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَ أَمَّا الْآيَةُ الَّتِي عَمَّ بِهَا الْعَرَبَ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ مَا أَعْظَمَهَا إِنْ لَمْ تَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَ يَا لَهَا مِنْ
[١] تنيخون مأخوذ من قولهم:« أناخ فلان بالمكان إناخة»: أقام به، و يقال:« هذا مناخ سوء» للمكان إذا كان غير مرضيّ. و الخشن- كالقفل-: جمع خشناء، من الخشونة ضدّ« لان».
[٢] يقال:« جشب- و جشب- جشبا، و جشب- جشابة» الطّعام: غلظ. فهو( جشب او جشب و جشيب و مجشاب و مجشوب) و الآجن: المتغيّر اللّون و الطّعم، المنتن، من قولهم: أجن الماء- من باب نصر، و ضرب، و علم- اجنا و أجنا و أجونا- كفلسا و فرسا و فلوسا-: تغيّر لونه و طعمه.
أقول: و مثل هذا الصّدر، ما ذكره عند عليه السّلام السّيّد الرّضيّ( ره) في المختار( ٢٥، او ٢٦) من الباب الأوّل من نهج البلاغة، و رواه عنه( ع) أيضا في المختار( ٦٢، او ٦٦) من الباب الثّاني منه، و لكلّ واحد منها مزايا خاصّة و طراوة و حلاوة ليست في الآخر، و قد جمع( ع) في وصف حالهم و بيان ما كانوا عليه قبل الإسلام بين فساد العقيدة، و كساد المعيشة، و ذهاب الهدوء و امان، و قساوة القلوب و الرّويّة.