كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٢٤ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
إِلَى غَيْرِهِ[١]. ثُمَّ أَشْفَقْتُ[٢] أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ[٣]، فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتَ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ[٤]. وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ.
وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ، وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ[٥]، وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا وَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا. فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ، لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وَ غُلُوِّ الْخُصُومَاتِ. وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ[٦]، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ. فَإِذَا أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ، وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ. وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ[٧]، وَ تَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ. وَ لَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ
[١] لا أتعدّى بك كتاب اللّه إلى غيره بل أقف بك عنده.
[٢] أشفقت أي خشيت و خفت.
[٣] مثل صفة لمفعول مطلق محذوف أي التباسا مثل الّذي كان لهم.
[٤] أي أنّك و إن كنت تكره أن ينبّهك أحد لما ذكرت لك فإنّي أعد إتقان التّنبيه على كراهتك له أحبّ إليّ من إسلامك أي إلقائك إلى أمر تخشى عليك به الهلكة.
[٥] لم يتركوا النّظر لأنفسهم في أوّل أمرهم بعين لا ترى نقصا و لا تحذر خطرا ثم ردتهم الآم التجربة إلى الأخذ بما عرفوا حسن عاقبته و إمساك أنفسهم عن عمل لم يكلّفهم اللّه إتيانه.
[٦] الشّائبة ما يشوب الفكر من شكّ و حيرة. و أولجتك: أدخلتك.
[٧] العشواء الضّعيفة البصر أي تخبط خبط عشواء لا تأمن أن تسقط فيما لا خلاص منه. و تورّط الأمر: دخل فيه على صعوبة في التّخلّص منه.