كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٤٩ - الفصل الثالث عشر و المائة بعض مصاديق لطف الله تعالى بعبده
أطاعه و لا يضر من عصاه، و هو كالكلب الذي للراعي، إذا عرض لك فاطلب من مولاك أن يكفيه عن أذاك و لا تشتغل بمحاربته بقدرتك فيبلغ غرضه و يشغلك عن خدمتك لمولاك و سعادتك.
و من الأعداء طبعك و نفسك و ما يتفرّع عنهما من الهوى، و شواغل الدنيا، و طبعك تراب، و كذا كل شاغل في دار الذّهاب يؤول إلى التراب، فكيف يجوز أن يهون عند ذوي الألباب الكاملة الاشتغال بالتراب و الامور الزائلة عن عظمة مولاك الهائلة و نعمته الشاملة.
و اعلم أن طبعك و نفسك و كل شاغل لك عن مولاك يستغيث إليك بلسان الحال و يقول لك: لا تلتفت إليهم، و يحذّرونك من الأهوال. و العقل من ورائهم يستغيث و يحذّرك أعظم التحذير، و مولاك من وراء الجميع ينكر عليك ايثارهم عليه أعظم النكير، و يقول لك: كلما يشغلك عني فهو حقير صغير، فكيف تشغل بالحقير عن الكبير، و يذكّرك أن بيده كلّما تحتاج إليه من نفع كثير و يسير.
[الفصل الثالث عشر و المائة: بعض مصاديق لطف اللّه تعالى بعبده]
(الفصل الثالث عشر و المائة) ثم تذكّر يا ولدي محمد ذكّرك اللّه جلّ جلاله بمواهبه، و نوّر سرائرك بعجائبه و مناقبه، أنك في وقت تعريفك بجلاله و تشريفك باقباله محتاج إلى طعام، و من يعمله من الأنام، و إلى ريق يسهّل الطعام و يليّنه، و إلى ما تشربه، ليحمله على ظهر ذلك إلى مجاري الأنهار في الأعضاء.
و اعلم علّمك اللّه جل جلاله ما عمل معك و علّمك و ألهمك تحقيق كيف اصطفاك، أن الخبز ما يصل إلى بين يديك حتى يستخدم لك فيه الأفلاك و الأرضون، و الليل و النهار، و الملوك و أعوانهم في الأقطار، و الأكرة: النجارين و الحدادين و التجار و الخبازين، و من يجعله من الآدميين، و كيف تعب من تعب منهم في تدبيره، و هلك من هلك منهم بالآثام بسوء تقتيره.
و أنت يا ولدي محمد سالم عن ذلك الخطر صغيره و كبيره.