كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٣٢ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
ظَنِينٍ. سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قُعُودُهُ[١]. وَ لَا تُخَاطِرْ بِشَيْءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ.
وَ إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ[٢]. احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ[٣]، وَ عِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللُّطْفِ وَ الْمُقَارَبَةِ، وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ[٤]، وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ، وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ، وَ عِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ وَ كَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ. وَ إِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ. لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ. وَ امْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَهَ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً. وَ تَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً وَ لَا أَلَذَّ مَغَبَّةً[٥]. وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ[٦] فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ. وَ خُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ[٧] وَ إِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً تَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا[٨]. وَ مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ[٩]. وَ لَا تُضَيِّعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالًا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ وَ لَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ. وَ لَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ. وَ لَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ[١٠] وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ، وَ لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ فَإِنَّهُ
[١] القعود بالفتح من الإبل ما يقتعده الرّاعي في كلّ حاجته، و يقال للبكر إلى أن يثني و للفصيل، أي ساهل الدهر مادام منقادا و خذ حظّك من قياده.
[٢] اللّجاج- بالفتح-: الخصومة أي أحذّرك من أن تغلبك الخصومات فلا تملك نفسك من الوقوع في مضارّها.
[٣] صرمه: قطيعته، أي الزم نفسك بصلة صديقك إذا قطعك الخ.
[٤] جموده: بخله.
[٥] المغبّة- بفتحتين ثمّ باء مشدّدة- بمعنى العاقبة، و كظم الغيظ و إن صعب على النّفس في وقته إلّا أنّها تجد لذّته عند الإفاقة من الغيظ، فللعفو لذّة إن كان في محلّه، و للخلاص من الضّرر المعقب لفعل الغضب لذّة أخري.
[٦] لن أمر من اللّين ضدّ الغلظ و الخشونة.
[٧] ظفر الانتقام التّملّك بالإحسان، و الثّاني أحلى و أربح فائدة.
[٨] بقيّة من الصّلة يسهّل لك معها الرّجوع إليه إذا ظهر له حسن العودة.
[٩] صدّقه بلزوم ما ظنّ بك من الخير.
[١٠] مراده إذا أتى أخوك بأسباب القطيعة فقابلها بموجبات الصّلة حتّى تغلبه و لا يصحّ أن يكون أقدر على ما يوجب القطيعة منك على ما يوجب الصّلة، و هذا أبلغ قول في لزوم حفظ الصّداقة.