كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٤١ - الفصل الخامس و الخمسون و المائة رسالة الإمام علي(ع) إلى شيعته و من يعز عليه
بِأَنْفِي لَأَقْرَرْتُ لِلَّهِ تَعَالَى سَمْعاً وَ طَاعَةً[١] فَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ قَدِ انْثَالُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِلْبَيْعَةِ، (بِالْبَيْعَةِ «خ مَ») أَمْسَكْتُ يَدِي وَ ظَنَنْتُ أَنِّي أَوْلَى وَ أَحَقُّ بِمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنْهُ وَ مِنْ غَيْرِهِ[٢] وَ قَدْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ أَمَّرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ وَ جَعَلَهُمَا فِي جَيْشِهِ[٣] وَ مَا زَالَ النَّبِيُّ إِلَى أَنْ فَاضَتْ نَفْسُهُ يَقُولُ:
«أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ، أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ» فَمَضَى جَيْشُهُ إِلَى الشَّامِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَذْرُعَاتٍ فَلَقِيَ جَيْشاً (جَمْعاً «خ ل») مِنَ الرُّومِ فَهَزَمُوهُمْ (فَهَزَمَهُمْ «خ ل») وَ غَنَّمَهُمُ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ.
فَلَمَّا رَأَيْتُ رَاجِعَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ تَدَعُوا إِلَى مَحْوِ (مَحْقِ «خ») دِينِ مُحَمَّدٍ وَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ «خ») خَشِيتُ إِنْ أَنَا لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ أَرَى فِيهِ ثَلْماً وَ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ عَلَيَّ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وَلَايَةِ أُمُورِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، ثُمَّ تَزُولُ وَ تَنْقَشِعُ كَمَا يَزُولُ وَ يَنْقَشِعُ السَّحَابُ[٤] فَنَهَضْتُ مَعَ الْقَوْمِ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَهَقَ الْبَاطِلُ، وَ كَانَتْ كَلِمَةُ
[١] أي لو سخروني و ذلّلوني كالبعير المسخّر بالخزامة، لأقررت للّه تعالى بسمع أمره و طاعته من ترك القيام لأخذ حقّي بلا معين و ظهير، يقال: خزم أنف فلان- من باب ضرب- و خزم البعير: جعل في جانب منخره الخزام- أو الخزامة، بكسر الخاء فيهما- و هي حلقة يشدّ فيها الزّمام. و يقال:« خزم أنف فلان» و« جعل في أنفه الخزامة»: أذلّه و سخّره.
[٢]« قد انثالوا»: قد انصبوا و اندفعوا( خوفا و طمعا) لان يبايعوا ابابكر. و« ظننت» أي أيقنت. كما في قوله تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» الخ و ورود الظّنّ بمعنى العلم و اليقين شائع في كلام البلغاء و الآيات و الرّوايات كما في الآية( ١١٧) من سورة التّوبة، و الآية( ٥٣) من سورة الكهف، و غيرها. أو المعنى: أنّي ظننت أنّ النّاس يروني أولى و أحقّ و يساعدوني على استنقاذ حقّي و ردّ ما اغتصبوه عنّي إليّ. و على المعنى الأوّل فالأولويّة تعيينيّة.
[٣] الضّمير في قوله( ع):« و جعلهما» عائد إلى أبي بكر و عمر، أمّا كون عمر في جند أسامة، و تأمير أسامة عليه في تلك السّريّة، فممّا اتّفق عليه الجميع، و إنّما الكلام و الاختلاف في أبي بكر، و الصّحيح أنّه كان في الجيش قال ابن أبي الحديد- في أواسط الطّعن الرّابع من مطاعن أبي بكر، من شرح المختار( ٦٢) من كتب النّهج، ج ١٧، ص ١٨٣- و كثير من المحدّثين يقولون: بل كان( أبوبكر أيضا) فى جيشه.
و للكلام بقيّة و شواهد تقف عليها في أوّل التّذييلات الآتية.
[٤]« المحو و المحق» بمعنى واحد، و هو إبطال الشّيء و اضمحلاله.« و الثّلم»- على زنة الضّرب-: الخلل و الخرق و« الهدم»- كالضرب-: النّقض و السّقوط. و« انقشع السّحاب»: انكشف و زال. و« انقشع القوم عن أماكنهم»: ابتعدوا عنه.