كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٦٥ - رفضه لأن يكون حاكما بين المتخاصمين
يقول عليه بعض الأقاويل، فكرهت و خفت من الدخول في الفتوى؛ حذرا أن يكون فيها تقوّل عليه، و طلب رئاسة لا أريد بها التقرب إليه فاعتزلت عن أوائل هذا الحال قبل التلبس بما فيها من الأهوال، و اشتغلت بما دلّني عليه العلم من العمل الصالح، و لم أكن عرفت و لا سمعت من أحد ما قد كتبت به إليك يا ولدي من الهدايات و فتح أبواب العنايات، لكن كان الأمر مبيّنا على ظاهر العبادة، و ايقاعها على مقتضي العادة.
[رفضه لأن يكون حاكما بين المتخاصمين]
ثم اجتمع عندي من اشار إلى أن أكون حاكما بين المختلفين على عادة الفقهاء و العلماء من السلف الماضين، و مصلحا لامور المتحاكمين.
فقلت لهم: إنني قد وجدت عقلي يريد صلاحي بالكليّة، و نفسي و هواي و الشيطان يريدون هلاكي بالاشتغال بالامور الدنيوية، و أنا قد دخلت بين عقلي و نفسي و الشيطان و هواي، على أن أحكم بينهم بمجرد العدل و يتّفقون كلّهم مع العقل، فلم يوافقوا على الدوام على صواب هذه الأحكام.
و قال لسان حال العقل: إنّه لا يجوّز أن يكون تبعا لهم على الهلاك و الجهل، و ما تهيأ في عمر طويل أن أحكم بين هذين الخصمين، أو اصالح بينهم مصالحة تقر بها العين، و تنقطع معهم المنازعات و المخالفات. فمن عرف من نفسه الضعف عن حكومة واحدة مدة من الأوقات، كيف يقدم على الدخول فيما لا يحصى من الحكومات؟! و قلت لهم: انظروا من اتفق عقله و نفسه و طبعه و هواه و قوى على الشيطان، و صار كلّهم يدا واحدة في طلب طاعة اللّه و رضاه، و تفرّغ من مهماته المتعيّنة عليه فتحاكموا عنده، فإنّه يكون قادرا بتلك القدرة على فصل الحكومات و المصالحات إذا حضر الخصومة بين يديه.
فاعتزلت يا ولدي محمد عن رئاسة هذا الباب، و رأيت في اللّه جلّ جلاله و نفسي شغل شاغل بمقتضي حكم الألباب.