كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٥٨ - الفصل العشرون و المائة ما يبتلى به المخالط للناس
فأقلل يا ولدي من مخالطتك لهم و مخالطتهم لك بغاية الإمكان، فقد جربته و رأيته يورث مرضا هائلا في الأديان. فمن ذلك أنك تبتلي بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكرات، فإن أقمت بذلك على الصدق و أداء الأمانات، صاروا أعداءك على اليقين، و شغلوك بالعداوة عن ربّ العالمين.
و إن نافقتهم و داريتهم، صاروا آلهة لك من دون مولاك، و افتضحت معه و هو يراك، و وجدك تستهزئ به في مقدّس حضرته، و تظهر خلاف ما تبطن بالاستخفاف بحرمته، و أن اطلاعهم عليك كان أهم لديك من اطلاعه عليك.
و إن غرك الشيطان و طبعك و هواك و الحب لدنياك، و خيلوا إليك أنك ما تقدر على الانكار و المجاهرة، فقل لهم: إنّك تعلم خلاف ما يقولون من هذه المخادعة و المماكرة، بدليل أن الذين كسروا حرمة ربك، و حرمة رسوله جدك، و حرمة أئمتك المعظّمين بالمنكر، الذي استخفوا بحرمة مالك الأولين و الآخرين، و حرمة الأنبياء و المرسلين، و كل وليّ للّه جلّ جلاله من العارفين، و هتكوا به ناموس الدين، لو كانوا قد كسروا به حرمتك و حرمة من يعز عليك من الآدميين.
مثاله: أن يأخذوا عمامتك من رأسك بين الحاضرين، أو أن يسلبوك شيئا قهرا من الذين بين يديك بالاستخفاف بك و التهوين، ما كنت تتغافل عنهم و لا تصبر عليهم، و لا تعتذر بأنك ما كنت تقدر أن تنكر عليهم، بل كنت تخاصمهم لعل بنفسك و مالك، و تبالغ بغاية اجتهاد مقالك و فعالك في الانتقام منهم و الاعراض عنهم و الانكار عليهم و التوصل في الانتصار عليهم، فعلى م لا يكون كسر حرمة مولاك فاطر الخلائق و مالك المغارب و المشارق، مثل كسر حرمتك اليسيرة إلى حرمته العظيمة الكبيرة، و كيف رضيت أن تكون حرمتك أهم من حرمته، و أنت غريق نعمته و مملوك ضعيف في قبضته، و ما الذي هوّن بهذه الجرأة الهائلة في مقدس حضرته.
و اعلم أنك تبتلي بمخالطتهم بأن يتفق لك أن تثق بعهودهم أكثر من وعود مولاك، و أنت تعلم أنهم يمكن أن يموتوا قبل انجاز الوعود، و يمكن أن يخلفوا