كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٣٣ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ. وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ.
وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ. مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَ الْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى؟ إِنَّ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ[١]. وَ إِنْ جَزِعْتَ عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ[٢] فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ. اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ. فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ.
وَ لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلَامِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْآدَابِ وَ الْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ. اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَ حُسْنِ الْيَقِينِ. مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ[٣] وَ الصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ[٤] وَ الصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ[٥]. وَ الْهَوَى شَرِيكُ الْعَنَاءِ[٦] رُبَّ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، وَ رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ. وَ الْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ. مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ. وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ. وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ. وَ مَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ[٧] قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً. لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَ لَا كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ. وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ. أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ[٨].
وَ قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ. مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَ مَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ[٩].
[١] منزلتك من الكرامة في الدّنيا و الآخرة.
[٢] تفلّت- بتشديد اللّام- أي تملّص من اليد فلم تحفظه، فالّذي يجزع على ما فاته كالّذي يجزع على ما لم يصله، و الثّاني لا يحصر فينال فالجزع عليه غير لائق فكذا الأوّل.
[٣] القصد: الاعتدال. و جار: مال عن الصّواب.
[٤] يراعي فيما يراعي في قرابة النّسب.
[٥] الغيب: ضدّ الحضور أي من حفظ لك حقّك و هو غائب عنك.
[٦] الهوى شهوة غير منضبطة و لا مملوكة بسلطان الشّرع و الأدب. و العناء الشّقاء.
و في نسخة: و الهوى شريك العمى.
[٧] لم يبالك أي لم يهتمّ بأمرك. باليته و باليت به أي راعيت و اعتنيت به.
[٨] لأنّ فرص الشّرّ لا تنقضي لكثرة طرقه، و طريق الخبر واحد و هو الحقّ.
[٩] من هاب شيئا سلّطه على نفسه.