كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٣٠ - الفصل الرابع و الخمسون و المائة وصية الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن(ع)
يَلْحَقَ. وَ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ وَاقِفاً، وَ يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَ إِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً[١].
وَ اعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَ أَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ. فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ[٢]، وَ أَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرْبٍ[٣]. فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ، وَ لَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ. وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً[٤]، وَ لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً. وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ[٥]، وَ يُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ[٦].
وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ[٧]، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ. وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ. فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قِسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ. وَ إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَ أَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ.
وَ تَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ[٨]،
[١] الوادع: السّاكن المستريح.
[٢] خفّض: أمر من خفض- بالتّشديد- أي رفّق. و أجمل في كسبه، أي سعى سعيا جميلا لا يحرص فيمنع الحقّ و لا يطمع فيتناول ما ليس بحقّ.
[٣] الحرب- بالتّحريك-: سلب المال.
[٤] إنّ رغائب المال إنّما تطلب لصون النّفس عن الابتذال، فلو بذل باذل نفسه لتحصيل المال فقد ضيّع ما هو المقصود من المال فكان جمع المال عبثا و لا عوض لما ضيّع.
[٥] يريد أيّ خير في شيء سمّاه النّاس خيرا و هو ممّا لا يناله الانسان إلّا بالشّرّ، فإن كان طريقه شرّا فكيف يكون هو خيرا.
[٦] إنّ العسر الّذي يخشاه الانسان هو ما يضطرّه لرذيل الفعال فهو يسعى كلّ جهده ليتحامى الوقوع فيه فإنّ جعل الرّذائل وسيلة لكسب اليسر أي السّعة فقد وقع أوّل الأمر فيما يهرب منه فما الفائدة في يسره و هو لا يحميه من النّقيصة.
[٧] توجف: تسرع. و المناهل ما ترده الإبل و نحوها للشّرب.
[٨] التلافي: التدارك لا صلاح ما فسد أو كاد. و ما فرط أي قصر عن إفادة الغرض أو إنالة الوطر. و إدراك ما فات هو اللّحاق به لأجل استرجاعه، و فات أي سبق إلى غير صواب و سابق الكلام لا يدرك فيسترجع بخلاف مقصّر السّكوت فسهل تداركه، و إنّما يحفظ الماء في القربة مثلا بشدّ وكائها أي رباطها، و إن لم يشدّ الوكاء صبّ ما في الوعاء و لم يكن إرجاعه فكذلك اللّسان.